قوله تعالى :
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 37 )
[ 37 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية : أن حرص النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على إسلام قومه لا يهدي من سبق في علم اللّه أنه شقي .
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ القصص : 56 ] ، وقوله :
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 41 ) [ المائدة : 41 ] ، وقوله :
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 186 ) [ الأعراف : 186 ] ، وقوله :
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
[ الأنعام : 125 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقرأ هذا الحرف نافع ، وابن عامر ، وابن كثير ، وأبو عمر :
فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
بضم الياء وفتح الدال ؛ من « يهد » مبينا للمفعول . وقوله :
مَنْ
نائب الفاعل .
والمعنى : أن من أضله اللّه لا يهد ، أيّ لا هادي له .
وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي بفتح الياء وكسر الدال ، من « يهدي » مبنيا للفاعل .
وقوله :
مَنْ
مفعول به ليهدي ، والفاعل ضمير عائد إلى اللّه تعالى . والمعنى : أن من أضله اللّه لا يهديه اللّه . وهي على هذه القراءة فيمن سبقت لهم الشقاوة في علم اللّه ؛ لأن غيرهم قد يكون ضالا ثم يهديه اللّه كما هو معروف .
وقال بعض العلماء : لا يهدي من يضل ما دام في إضلاله له ؛ فإن رفع اللّه عنه الضلالة وهداه فلا مانع من هداه . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
[ 38 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار حلفوا جهد أيمانهم - أيّ اجتهدوا في الحلف - وغلظوا الأيمان على أن اللّه لا يبعث من يموت . وكذبهم اللّه جل وعلا في ذلك بقوله :
بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
، وكرر في آيات كثيرة هذا المعنى المذكور هنا من إنكارهم للبعث وتكذيبه لهم في ذلك ، كقوله :
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ
[ التغابن : 7 ] الآية ، وقوله :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
( 104 ) [ يوسف :
104 ] ، وقوله :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
( 79 ) [ يس : 79 ] ، وقوله :
فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الإسراء : 51 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا .