ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
( 16 ) [ المؤمنون : 12 - 16 ] .
تنبيه
أضاف جل وعلا في هذه الآية الكريمة الدار إلى الآخرة ، مع أن الدار هي الآخرة بدليل قوله :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ . .
الآية ، بتعريف الدار ونعتها بالآخرة في غير هذا الموضع .
وعلى مقتضى قول ابن مالك في الخلاصة :
ولا يضاف اسم لما به اتحد * معنى وأول موهما إذا ورد
فإن لفظ « الدار » يؤول بمسمى الآخرة . وقد بينا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في « سورة فاطر » في الكلام على قوله « ومكر السئ » أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه بلفظين مختلفين - أسلوب من أساليب اللغة العربية ؛ لتنزيل التغاير في اللفظ منزلة التغاير في المعنى . وبينا كثرته في القرآن ، وفي كلام العرب . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 )
[ 30 ] .
مدح اللّه جل وعلا دار المتقين التي هي الجنة في هذه الآية الكريمة ؛ لأن « نعم » فعل جامد لإنشاء المدح . وكرر الثناء عليها في آيات كثيرة ؛ لأن فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ؛ كما قال تعالى :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ السجدة : 17 ] الآية ، وقال :
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً
( 20 ) [ الإنسان : 20 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا .
قوله تعالى :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ( 31 )
[ 31 ] .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن .
والعدن في لغة العرب : الإقامة ؛ فمعنى جنات عدن : جنات إقامة في النعيم ، لا يرحلون عنها ، ولا يتحولون .
وبين في آيات كثيرة : أنهم مقيمون في الجنة على الدوام ، كما أشار له هنا بلفظة « عدن » ، كقوله :
لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا
( 108 ) [ الكهف : 108 ] ، وقوله :
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ
[ فاطر : 35 ] الآية . والمقامة : الإقامة . وقد تقرر في التصريف : أن الفعل إذا زاد على ثلاثة أحرف فالمصدر الميمي منه ، واسم الزمان ، واسم المكان كلها بصيغة اسم المفعول . وقوله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ
( 51 ) [ الدخان : 51 ] على قراءة نافع وابن عامر بضم الميم من الإقامة . وقوله :
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً