وقوله تعالى :
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 )
[ 28 ] .
يعني أن الذين تتوفاهم الملائكة في حال كونهم ظالمي أنفسهم إذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم وقالوا : ما كنا نعمل من سوء . فقوله
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
معمول قول محذوف بلا خلاف .
والمعنى : أنهم ينكرون ما كانوا يعملون من السوء ، وهو الكفر وتكذيب الرسل والمعاصي . وقد بين اللّه كذبهم بقوله :
بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 28 ) .
وبين في مواضع أخر : أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي كما ذكر هنا .
وبين كذبهم في ذلك أيضا ؛ كقوله :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
( 24 ) [ الأنعام : 23 - 24 ] ، وقوله :
قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ
[ غافر : 74 ] ؛ وقوله :
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ
( 18 ) [ المجادلة : 18 ] ، وقوله :
وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
( 22 ) [ الفرقان : 22 ] أيّ حراما محرما أن تمسونا بسوء ؛ لأنا لم نفعل ما نستحق به ذلك ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله هنا « بلى » تكذيب لهم في قولهم
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
.
تنبيه
لفظة « بلى » لا تأتي في اللغة العربية إلا لأحد معنيين لا ثالث لهما :
الأول - أن تأتي لإبطال نفي سابق في الكلام ، فهي نقيضة « لا » ؛ لأن « لا » لنفي الإثبات ، و « بلى » لنفي النفي ؛ كقوله هنا :
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
فهذا النفي نفته لفظة « بلى » أي كنتم تعملون السوء من الكفر والمعاصي ؛ وكقوله :
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ
[ التغابن : 7 ] ، وكقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ
[ سبأ : 3 ] وقوله :
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
[ البقرة :
111 ] فإنه نفى هذا النفي بقوله جل وعلا
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
[ البقرة : 112 ] الآية ، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب .
الثاني - أن تكون جوابا لاستفهام مقترن بنفي خاصة ؛ كقوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] ، وقوله :
أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى
[ يس : 81 ] ، وقوله :
قالُوا أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى
[ غافر :
50 ] ، وهذا أيضا كثير في القرآن وفي كلام العرب . أما إذا كان الاستفهام غير مقترن بنفي