تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
ذكرها . قال : ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجّب والتهويل على النفوس ، ومنه قوله في وصف أهل الجنة :
حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[ الزمر : 73 ] . فحذف الجواب ، إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى ، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه ، وتركت النفوس تقدر ما شاءته ، ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك . وكذا قوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ
[ الأنعام : 27 ] أي : لرأيت أمرا فظيعا ، لا تكاد تحيط به العبارة « 1 » . ومنها : التخفيف لكثرة دورانه في الكلام : كما في حذف حرف النداء ، نحو :
يُوسُفُ أَعْرِضْ
[ يوسف : 39 ] ، ونون
لَمْ يَكُ
[ الأنفال : 53 ] ، والجمع السالم ، ومنه قراءة
وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ
[ الحج : 35 ] ، وياء
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ( 4 )
[ الفجر : 4 ] ، وسأل المؤرّج السدوسيّ الأخفش عن هذه الآية ، فقال : عادة العرب أنها إذا عدلت بالشيء عن معناه ، نقصت حروفه ، والليل لما كان لا يسري ، وإنما يسرى فيه نقص منه حرف ، كما قال تعالى :
وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
[ مريم : 28 ] : الأصل ( بغية ) فلما حوّل عن فاعل نقص منه حرف . ومنها : كونه لا يصلح إلّا له : نحو :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
[ الأنعام : 73 ] ،
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
[ هود : 107 ] . ومنها : شهرته : حتى يكون ذكره وعدمه سواء ، قال الزّمخشريّ : وهو نوع من دلالة الحال ، التي لسانها أنطق من لسان المقال ، وحمل عليه قراءة حمزة :
تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
[ النساء : 1 ] ؛ لأنّ هذا مكان شهر بتكرر الجارّ ؛ فقامت الشهرة مقام الذكر . ومنها : صيانته عن ذكره تشريفا : كقوله تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ
. الآيات ، حذف فيها المبتدأ في ثلاثة مواضع : قبل ذكر الرّب ؛ أي : ( هو ربّ ) ، ( اللّه ربّكم ) ، ( اللّه ربّ المشرق ) ، لأنّ موسى استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال ، فأضمر اسم اللّه تعظيما وتفخيما . ومثّله في عروس الأفراح بقوله تعالى :
هامش
( 1 ) قال الحافظ ابن قيم الجوزية في « التبيان في أقسام القرآن » ص 24 ، بتحقيقنا : « ومثل هذا - أي حذف جواب ( لو ) - حذفه من أحسن الكلام ، لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولا عظيما ، فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دلّ عليه الشرط ، وهذه عادة الناس في كلامهم إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادوا أن يخبروا بها الغائب عنها يقول أحدهم : لو رأيت ما جرى يوم كذا بموضع كذا . . . » ا ه .