أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
[ البقرة : 16 ] استعير الاشتراء للاستبدال والاختيار ، ثم قرن بما يلائمه من الربح والتجارة .
والثانية : أن تقرن بما يلائم المستعار له ، نحو :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[ النحل : 112 ] استعير اللباس للجوع ، ثم قرن بما يلائم المستعار له من الإذاقة ؛ ولو أراد الترشيح لقال : ( فكساها ) ، لكنّ التّجريد هنا أبلغ ، لما في لفظ الإذاقة من المبالغة في الألم باطنا « 1 » .
والثالثة : ألّا تقرن بواحد منهما .
وتنقسم باعتبار آخر إلى : تحقيقيّة ، وتخييليّة ، ومكنيّة ، وتصريحيّة « 2 » .
فالأولى : ما تحقّق معناها حسّا ، نحو :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ
الآية ، أو عقلا ، نحو :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
[ النساء : 174 ] أي : بيانا واضحا وحجّة لامعة ،
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ فاتحة الكتاب : 6 ] أي : الدين الحق ؛ فإن كلّا منهما يتحقّق عقلا .
والثانية : أن يضمر التشبيه في النفس ، فلا يصرّح بشيء من أركانه سوى المشبّه .
ويدلّ على ذلك التشبيه المضمر في النفس ، بأن يثبت للمشبّه أمر مختصّ بالمشبّه به .
ويسمى ذلك التشبيه المضمر : استعارة بالكناية ، ومكنيّا عنها ؛ لأنه لم يصرّح به ، بل دلّ عليه بذكر خواصّه .
ويقابله التصريحيّة ، ويسمّى إثبات ذلك الأمر المختصّ بالمشبّه به للمشبّه : استعارة تخييلية ، لأنّه قد استعير للمشبّه ذلك الأمر المختصّ بالمشبّه به ، وبه يكون كمال المشبّه به وقوامه في وجه الشبه ؛ لتخيّل أن المشبّه من جنس المشبّه به .
ومن أمثلة ذلك :
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
[ البقرة : 27 ] شبّه العهد بالحبل وأضمر في النفس ، فلم يصرّح بشيء من أركان التشبيه سوى العهد المشبّه ، ودلّ عليه بإثبات النقض الذي هو من خواص المشبه به وهو الحبل .
وكذا :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[ مريم : 4 ] طوى ذكر المشبّه به وهو النار ، ودلّ عليه بلازمه وهو الاشتعال .
فَأَذاقَهَا اللَّهُ
[ النحل : 112 ] الآية ، شبّه ما يدرك من أثر الضّرر والألم بما يدرك من
هامش
( 1 ) انظر تفسير أبي السعود 5 / 145 ، والبرهان 3 / 438 .
( 2 ) انظر « القرآن والصورة البيانية » ص 155 .