الخالية ، إنما هو معرب عن معانيهم ، وليس بحقيقة ألفاظهم ، وهذا لا يشك في أن قوله تعالى :
قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ( 63 )
[ طه : 63 ] أنّ هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم .
الثامن : [ استعمال أنسب معاني الألفاظ وأفصحها ]
قال البارزيّ في أول كتابه « أنوار التحصيل في أسرار التنزيل » : اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ؛ وكذلك كلّ واحد من جزأي الجملة ؛ قد يعبّر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر ، ولا بدّ من استحضار معاني الجمل ، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها ، واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال ؛ وذلك عتيد حاصل في علم اللّه تعالى ، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه ، وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح ، والمليح والأملح ، ولذلك أمثلة :
منها : قوله تعالى :
وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ
[ الرحمن : 54 ] ، لو قال مكانه : ( وثمر الجنتين قريب ) لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجنى والجنتين ، ومن جهة أنّ الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها ، ومن جهة مؤاخاة الفواصل .
ومنها : قوله تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ
[ العنكبوت : 48 ] . أحسن من التعبير ب ( تقرأ ) لثقله بالهمزة .
ومنها :
لا رَيْبَ فِيهِ
[ البقرة : 2 ] أحسن من ( لا شك فيه ) . لثقل الإدغام ، ولهذا كثر ذكر الريب .
ومنها :
وَلا تَهِنُوا
[ آل عمران : 139 ] أحسن من ( ولا تضعفوا ) لخفته . و
وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
[ مريم : 4 ] أحسن من ( ضعف ) ؛ لأنّ الفتحة أخف من الضمّة .
ومنها :
آمَنَ
[ البقرة : 62 ] أخفّ من ( صدّق ) ، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق . و
آثَرَكَ اللَّهُ
[ يوسف : 91 ] أخفّ من ( فضّلك ) ، و
وَآتَى
[ البقرة : 177 ] أخف من ( أعطى ) . و
أَنْذَرَ
[ الأحقاف : 21 ] أخفّ من ( خوّف ) . و
خَيْرٌ لَكُمْ
[ البقرة : 184 ] أخفّ من ( أفضل لكم ) ، والمصدر في نحو :
هذا خَلْقُ اللَّهِ
[ لقمان : 11 ] .
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
[ البقرة : 3 ] أخف من ( مخلوق ) و ( الغائب ) . و
تَنْكِحَ
[ البقرة : 230 ] أخف من ( تتزوج ) ؛ لأنّ ( تفعل ) أخفّ من ( تفعّل ) ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر .
ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ : الرحمة والغضب والرضا والحبّ والمقت في أوصاف اللّه تعالى ، مع أنه لا يوصف بها حقيقة ؛ لأنّه لو عبّر عن ذلك بألفاظ الحقيقة