في كلامه شيء موزون شاعرا ، فكان الناس كلهم شعراء ؛ لأنه قلّ أن يخلو كلام أحد عن ذلك ، وقد ورد ذلك على ألسنة الفصحاء ، فلو اعتقدوه شعرا لبادروا إلى معارضته والطعن عليه ؛ لأنهم كانوا أحرص شيء على ذلك ، وإنما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام .
وقيل : البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمّى شعرا ، وأقلّ الشعر بيتان فصاعدا .
وقيل : الرّجز لا يسمّى شعرا أصلا .
وقيل : أقلّ ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات ، وليس ذلك في القرآن بحال .
الخامس : قال بعضهم : التحدّي إنّما وقع للإنس دون الجن « 1 » ؛
لأنّهم ليسوا من أهل اللسان العربيّ الذي جاء القرآن على أساليبه ، وإنما ذكروا في قوله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ
[ الإسراء : 88 ] تعظيما لإعجازه ؛ لأنّ للهيئة الاجتماعية من القوّة ما ليس للأفراد ، فإذا فرض اجتماع الثّقلين فيه ، وظاهر بعضهم بعضا ، وعجزوا عن المعارضة ، كان الفريق الواحد أعجز .
وقال غيره : بل وقع للجنّ - أيضا ، والملائكة منويّون في الآية ؛ لأنهم لا يقدرون أيضا على الإتيان بمثل القرآن .
قال الكرمانيّ في غرائب التفسير : إنما اقتصر في الآية على ذكر الإنس والجنّ ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان مبعوثا إلى الثّقلين دون الملائكة .
السادس : [ معنى قوله تعالى وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ . . . ]
سئل الغزاليّ عن معنى قوله تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] .
فأجاب : الاختلاف لفظ مشترك بين معان ، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه ؛ بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن ، يقال : هذا كلام مختلف ، أي : لا يشبه أوله آخره في الفصاحة ، أو هو مختلف الدعوى : أي بعضه يدعو إلى الدين ، وبعضه يدعو إلى الدنيا .
وهو مختلف النظم ، فبعضه على وزن الشعر ، وبعضه منزحف ، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة ، وبعضه على أسلوب يخالفه .
وكلام اللّه منزّه عن هذه الاختلافات ، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوّله
هامش
( 1 ) انظر البرهان 2 / 111 .