تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
ومعلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتّسق أمر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرتهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله ، أو مناقضته في شكله . ثم صار المعاندون له يقولون مرة : إنه شعر لمّا رأوه منظوما ، ومرة : إنه سحر لمّا رأوه معجوزا عنه ، غير مقدور عليه . وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب ، وقرعا في النفوس ، يرهبهم ويحيّرهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف ، ولذلك قالوا : إنّ له لحلاوة وإن عليه لطلاوة . وكانوا مرة بجهلهم يقولون :
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
[ الفرقان : 5 ] ، مع علمهم أنّ صاحبهم أمّيّ ، وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل ، والعجز . ثم قال : وقد قلت في إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس ، وهو : صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس ، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا ، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب ، من اللذة والحلاوة في حال ، ومن الرّوعة والمهابة في حال آخر ، ما يخلص منه إليه ، قال تعالى :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ الحشر : 21 ] ، وقال :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
[ الزمر : 23 ] . انتهى . وقال ابن سراقة : اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن ، فذكروا في ذلك وجوها كثيرة كلّها حكمة وصواب ، وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره : فقال قوم : هو الإيجاز مع البلاغة . وقال آخرون : هو البيان والفصاحة . وقال آخرون : هو الرّصف والنظم . وقال آخرون : هو كونه خارجا عن جنس كلام العرب من النظم ، والنثر ، والخطب والشعر ، مع كون حروفه في كلامهم ومعانيه في خطابهم وألفاظه من جنس كلماتهم ، وهو بذاته قبيل غير قبيل كلامهم ، وجنس آخر متميّز عن أجناس خطابهم ؛ حتى إنّ من اقتصر على معانيه وغير حروفه أذهب رونقه ، ومن اقتصر على حروفه وغيّر معانيه أبطل فائدته ؛ فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه . وقال آخرون : هو كون قارئه لا يكلّ ، وسامعه لا يملّ ، وإن تكرّرت عليه تلاوته . وقال آخرون : هو ما فيه من الإخبار عن الأمور الماضية .