وقال آخرون : هو ما فيه من علم الغيب والحكم على الأمور بالقطع .
وقال آخرون : هو كونه جامعا لعلوم يطول شرحها ، ويشقّ حصرها . انتهى .
وقال الزركشيّ في « البرهان » « 1 » : أهل التحقيق على أنّ الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال ؛ لا بكلّ واحد على انفراده ؛ فإنه جمع ذلك كلّه ، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده ، مع اشتماله على الجميع ، بل وغير ذلك ممّا لم يسبق :
فمنها : الرّوعة التي له في قلوب السامعين وأسماعهم ، سواء المقرّ والجاحد .
ومنها : أنه لم يزل ولا يزال غضّا طريّا في أسماع السامعين ، وعلى ألسنة القارئين .
ومنها : جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة ؛ وهما كالمتضادّين لا يجتمعان غالبا في كلام البشر .
ومنها : جعله آخر الكتب غنيّا عن غيره ، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه ، كما قال تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 76 )
[ النمل : 76 ] .
وقال الرّمانيّ : وجوه إعجاز القرآن تظهر من جهات ترك المعارضة ، مع توفّر الدواعي وشدّة الحاجة ، والتحدّث للكافة ، والصرفة ، والبلاغة ، والإخبار عن الأمور المستقبلة ، ونقض العادة ، وقياسه بكل معجزة .
قال : ونقض العادة هو : أنّ العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة ، منها الشعر ، ومنها السجع ، ومنها الخطب ، ومنها الرسائل ، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث ؛ فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة ، لها منزلة في الحسن تفوق به كلّ طريقة ، وتفوق الموزون الذي هو أحسن الكلام .
قال : وأمّا قياسه بكلّ معجزة : فإنه يظهر إعجازه من هذه الجهة ؛ إذ كان سبيل فلق البحر وقلب العطا حيّة ، وما جرى هذا المجرى في ذلك سبيلا واحدا في الإعجاز ، إذ خرج عن العادة ، وصد الخلق فيه عن المعارضة .
وقال القاضي عياض في « الشّفا » « 2 » : اعلم أنّ القرآن منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة ، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه :
هامش
( 1 ) البرهان 2 / 106 - 107 .
( 2 ) الشفا للقاضي عياض 1 / 258 - 280 .