وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ( 196 )
[ الشعراء : 196 ] ، وما هو في القرآن - من المعارف الإلهية ، وبيان المبدإ والمعاد والإخبار بالغيب - فإعجاز ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن ، بل لكونها حاصلة من غير سبق تعليم وتعلّم ، ويكون الإخبار بالغيب إخبارا بالغيب ؛ سواء كان بهذا النظم ، أو بغيره ، موردا بالعربية أو بلغة أخرى ، بعبارة أو بإشارة ؛ فإذن النظم المخصوص صورة القرآن واللفظ والمعنى عنصره ، وباختلاف الصّور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره كالخاتم والقرط والسّوار ، فإنّه باختلاف صورها اختلفت أسماؤها ، لا بعنصرها الذي هو الذّهب والفضة والحديد ، فإنّ الخاتم المتخذ من الذهب ومن الفضة ومن الحديد يسمّى خاتما ، وإن كان العنصر مختلفا ، وإن اتخذ خاتم وقرب وسوار من ذهب اختلفت أسماؤها باختلاف صورها ، وإن كان العنصر واحدا .
قال : فظهر من هذا : أنّ الإعجاز المختصّ بالقرآن يتعلّق بالنظم المخصوص .
وبيان كون النظم معجزا يتوقّف على بيان نظم الكلام ، ثم بيان أنّ هذا النظم مخالف لنظم ما عداه ، فنقول : مراتب تأليف الكلام خمس :
الأولى : ضمّ الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض ، لتحصل الكلمات الثلاث :
الاسم والفعل والحروف .
والثانية : تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض ، لتحصل الجمل المفيدة ، وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعا في مخاطباتهم ، وقضاء حوائجهم ، ويقال له : المنثور من الكلام .
والثالثة : ضمّ بعض ذلك إلى بعض ضمّا له مباد ومقاطع ، ومداخل ومخارج ، ويقال له : المنظوم .
والرابعة : أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ، ويقال له : المسجّع .
والخامسة : أن يجعل له مع ذلك وزن ، ويقال له : الشعر .
والمنظوم : إمّا محاورة ويقال له الخطابة ، وإمّا مكاتبة ويقال له الرسالة .
فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام ، ولكلّ من ذلك نظم مخصوص ، والقرآن جامع لمحاسن الجميع على نظم غير نظم شيء منها ، يدلّ على ذلك أنّه لا يصحّ أن يقال له : رسالة ، أو خطابة ، أو شعر ، أو سجع ، كما يصحّ أن يقال : هو كلام . والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم ، ولهذا قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ