تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
وقال أبو جعفر بن الزبير : حكى الخطّابي : أنّ الصحابة لما اجتمعوا على القرآن ، وضعوا سورة القدر عقب العلق ، استدلوا بذلك على أنّ المراد بهاء الكناية في قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 )
الإشارة إلى قول :
فَإِذا قَرَأْتَ
. قال القاضي أبو بكر بن العربي : وهذا بديع جدّا .

فصل قال في البرهان : ومن ذلك افتتاح السّور بالحروف المقطّعة واختصاص كلّ واحدة بما بدئت به ؛

حتى لم يكن لترد
ألم *
في موضع
الر *
ولا
حم *
في موضع
طس
. قال : وذلك أنّ كلّ سورة بدئت بحرف منها ، فإنّ أكثر كلماتها وحروفها مماثل له ، فحقّ لكلّ سورة منها ألّا يناسبها غير الواردة فيها ، فلو وضع
ق
موضع
ن
لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام اللّه ، وسورة
ق
بدئت به لما تكرّر فيها من الكلمات بلفظ القاف ، من ذكر القرآن والخلق وتكرير القول مراجعته مرارا ، والقرب من ابن آدم وتلقّي الملكين ، وقول العتيد ، والرقيب ، والسائق ، والإلقاء في جهنم ، والتقدّم بالوعد ، وذكر المتقين ، والقلب ، والقرون ، والتنقيب في البلاد ، وتشقق الأرض ، وحقوق الوعيد وغير ذلك . وقد تكرّر في سورة يونس من الكلم الواقع فيها ( الرّاء ) مائتا كلة أو أكثر ؛ فلهذا افتتحت ب
الر
. واشتملت سورة
ص
على خصومات متعدّدة ، فأولها خصومة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مع الكفّار ، وقولهم :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً
[ ص : 5 ] . ثم اختصام الخصمين عند داود ، ثم تخاصم أهل النار ، ثم اختصام الملأ الأعلى ، ثمّ تخاصم إبليس في شأن آدم ، ثم في شان بنيه وإغوائهم . و
الْمَلَأُ *
جمعت المخارج الثلاثة : الحلق ، واللسان ، والشفتين على ترتيبها ، وذلك إشارة إلى البداية التي هي بدء الخلق ، والنهاية التي هي بدء الميعاد ، والوسط الذي هو المعاش من التشريع بالأوامر والنواهي ، وكلّ سورة افتتحت بها فهي مشتملة على الأمور الثلاثة . وسورة الأعراف : زيد فيها الصاد على
الْمَلَأُ *
لما فيها من شرح القصص ؛ قصة آدم فمن بعده من الأنبياء ؛ ولما فيها من ذكر :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ
. ولهذا قال
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 227 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي