النوع الحادي والستون في خواتم السور « 1 »
هي أيضا مثل الفواتح في الحسن لأنها آخر ما يقرع الأسماع ، فلهذا جاءت متضمّنة للمعاني البديعة ، مع إيذان السامع بانتهاء الكلام ، حتى لا يبقى معه للنفوس تشوّف إلى ما يذكر بعد ، لأنها بين أدعية ووصايا وفرائض ، وتحميد وتهليل ، ومواعظ ، ووعد ووعيد ، إلى غير ذلك .
كتفصيل جملة المطلوب في خاتمة الفاتحة ، إذ المطلوب الأعلى : الإيمان المحفوظ من المعاصي المسبّبة لغضب اللّه والضلال ، ففصّل جملة ذلك بقوله :
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
. والمراد المؤمنون ، ولذلك أطلق الإنعام ولم يقيّده ليتناول كلّ إنعام ، لأنّ من أنعم اللّه عليه بنعمة الإيمان فقد أنعم عليه بكلّ نعمة ، لأنها مستتبعة لجميع النّعم ، ثم وصفهم بقوله :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
يعني : أنهم جمعوا بين النعم المطلقة وهي نعمة الإيمان ، وبين السلامة من غضب اللّه تعالى والضّلال المسبّبين عن معاصيه وتعدّي حدوده .
هامش
( 1 ) الفاتحة تشتمل محتوياتها على أنواع مقاصد القرآن ، وهي ثلاثة أنواع :
1 - الثناء على اللّه ، ثناء جامعا لوصفه بجميع المحامد ، وتنزيهه عن جميع النقائص .
2 - وإثبات تفرده بالإلهية .
3 - وإثبات البعث والجزاء .
وذلك من قوله :الْحَمْدُ لِلَّهِإلى قوله :مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. والأوامر والنواهي من قوله :إِيَّاكَ نَعْبُدُ، والوعد والوعيد من قوله :صِراطَ الَّذِينَ . . .إلى آخر السورة . فهذه هي أنواع مقاصد القرآن كلّه ، وغيرها تكملات لها . وهي - أيضا - تشتمل معانيها على جملة معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية ، فإنّ معاني القرآن : إما علوم تقصد معرفتها ، وإما أحكام يقصد منها العمل بها .
فالعلوم كالتوحيد والصفات والنبوات والمواعظ والأمثال والحكم والقصص ، والإحكام إما عمل الجوارح ، وهو العبادات والمعاملات ، وإما عمل القلوب ، أي العقول ، وهو تهذيب الأخلاق وآداب الشريعة . وكلّها تشتمل عليها معاني الفاتحة بدلالة المطابقة ، أو التضمن ، أو الالتزام ، انظر التحرير والتنوير 1 / 133 - 134 .