كذلك ، فكان في الوصف بالحكيم احتراس حسن ، أي : وإن تغفر لهم - مع استحقاقهم العذاب - فلا معترض عليك لأحد في ذلك ، والحكمة فيما فعلته .
ونظير ذلك : قوله في سورة التوبة [ 71 ] :
أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
. وفي سورة الممتحنة [ 5 ] :
وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
. وفي غافر [ 8 ] :
رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ
. إلى قوله :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
. وفي النور [ 10 ] :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( 10 )
. فإنّ بادئ الرأي يقتضي
تَوَّابٌ رَحِيمٌ
لأنّ الرحمة مناسبة للتوبة ، لكن عبّر به إشارة إلى فائدة مشروعية اللّعان وحكمته ، وهي السّتر عن هذه الفاحشة العظيمة .
ومن خفيّ ذلك أيضا : قوله في سورة البقرة [ 29 ] :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 )
. وفي آل عمران [ 29 ] :
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 )
.
فإنّ المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة ، وفي آية آل عمران الختم بالعلم . والجواب :
أنّ آية البقرة : لما تضمّنت الإخبار عن خلق الأرض ، وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم ، وخلق السماوات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت ، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله كليّا وجزئيا ، مجملا ومفصلا ، ناسب ختمها بصفة العلم .
وآية آل عمران : لما كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار ، وكان التعبير بالعلم فيها كناية عن المجازاة بالعقاب والثواب ، ناسب ختمها بصفة القدرة .
ومن ذلك قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
[ الإسراء : 44 ] فالختم بالحلم والمغفرة عقب تسابيح الأشياء غير ظاهر في بادئ الرأي ، وذكر في حكمته : أنه لما كانت الأشياء كلّها تسبّح ، ولا عصيان في حقّها وأنتم تعصون : ختم به مراعاة للمقدّر في الآية وهو العصيان . كما جاء في الحديث : « لولا بهائم رتّع ، وشيوخ ركّع ، وأطفال رضّع ، لصبّ عليكم العذاب صبّا ، ولرصّ رصّا » « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه ابن عدي في الكامل 6 / 380 ، والبيهقي في سننه 3 / 345 ، وفي شعب الإيمان 7 / 155 ، وابن أبي