تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
حيث ختم الأولى ب
تُؤْمِنُونَ
، والثانية ب
تَذَكَّرُونَ
ووجهه : أنّ مخالفة القرآن لنظم الشعر ظاهرة واضحة لا تخفى على أحد ، فقول من قال : شعر ، كفر وعناد محض ، فناسب ختمه بقوله :
قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ
. وأما مخالفته لنظم الكهّان وألفاظ السجع فتحتاج إلى تذكّر وتدبّر ؛ لأنّ كلّا منهما نثر ، فليست مخالفته له في وضوحها لكلّ أحد كمخالفته الشعر ؛ وإنما تظهر بتدبّر ما في القرآن من الفصاحة والبلاغة والبدائع والمعاني الأنيقة ، فحسن ختمه بقوله :
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
. ومن بديع هذا النوع : اختلاف الفاصلتين في موضعين ، والمحدّث عنه واحد ، لنكتة لطيفة . كقوله تعالى في سورة إبراهيم [ 34 ] :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
. ثم قال في سورة النحل [ 18 ] :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 )
. قال ابن المنيّر : كأنه يقول : إذا حصلت النعم الكثيرة ، فأنت آخذها وأنا معطيها ، فحصل لك عند أخذها وصفان : كونك ظلوما وكونك كفّارا ؛ يعني لعدم وفائك بشكرها . ولي عند إعطائها وصفان ، وهما : أني غفور رحيم ، أقابل ظلمك بغفراني ، وكفرك برحمتي ، فلا أقابل تقصيرك إلّا بالتوقير ، ولا أجازي جفاك إلّا بالوفاء . وقال غيره : إنما خصّ سورة إبراهيم بوصف المنعم عليه ، وسورة النحل بوصف المنعم ؛ لأنه في سورة إبراهيم في مساق وصف الإنسان ، وفي سورة النحل في مساق صفات اللّه وإثبات ألوهيته « 1 » . ونظيره : قوله تعالى في سورة الجاثية ، [ 15 ] :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 15 )
. وفي فصلت [ 46 ] ختم بقوله :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
. ونكتة ذلك : أنّ قبل الآية الأولى :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 )
[ الجاثية : 14 ] فناسب الختام بفاصلة البعث ، لأنّ قبله وصفهم بإنكاره . وأما الثانية : فالختام فيها مناسب ؛ لأنه لا يضيع عملا صالحا ، ولا يزيد على من عمل سيّئا .
هامش
( 1 ) انظر البرهان 1 / 86 .