ومنه الفرق بين سقى وأسقى ، فإنّ ( سقى ) لما لا كلفة معه في السقيا ، ولهذا أورده تعالى في شراب الجنة فقال :
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً
[ الإنسان : 21 ] و ( أسقى ) لما فيه كلفة ، ولهذا أورده في شراب الدنيا ، فقال :
وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً
[ المرسلات : 27 ] ،
لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
[ الجن : 16 ] ، لأنّ السقيا في الدنيا لا تخلوا من الكلفة أبدا .
[ الاستدراك والاستثناء ]
الاستدراك والاستثناء : شرط كونهما من البديع أن يتضمّنا ضربا من المحاسن زائدا على ما يدلّ عليه المعنى اللغوي .
مثال الاستدراك :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
[ الحجرات : 14 ] فإنّه لو اقتصر على قوله :
لَمْ تُؤْمِنُوا
لكان منفّرا لهم ؛ لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا ، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك ، ليعلم أنّ الإيمان موافقة القلب واللسان ، وإن انفرد اللسان بذلك يسمّى إسلاما ، لا يسمّى إيمانا . وزاد ذلك إيضاحا بقوله :
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] فلمّا تضمّن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عدّ من المحاسن .
ومثال الاستثناء :
فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
[ العنكبوت : 14 ] فإنّ الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة يمهّد عذر نوح في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم ؛ إذ لو قيل : ( فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما ) لم يكن فيه من التهويل ما في الأوّل ؛ لأنّ لفظ ( الألف ) في الأول أول ما يطرق السمع ، فيتشغل بها عن سماع بقيّة الكلام ، وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعد ما تقدّمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف .
[ الاقتصاص ]
الاقتصاص : ذكره ابن فارس ، وهو : أن يكون كلام في سورة مقتصا من كلام في سورة أخرى أو في تلك السورة . كقوله تعالى :
وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
[ العنكبوت : 27 ] والآخرة دار ثواب لا عمل فيها . فهذا مقتصّ من قوله :
وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ( 75 )
[ طه : 75 ] .
ومنه :
وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 57 )
[ الصافات : 57 ] ، مأخوذ من قوله :
أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ
[ سبأ : 38 ] .
وقوله :
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
[ غافر : 51 ] مقتصّ من أربع آيات : لأنّ الأشهاد أربعة :