والثاني : نحو
أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً
[ النمل : 84 ] على ما قرّره الجرجانيّ من جعلها مثل :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 14 ] .
وحقيقة استفهام التقرير : أنه استفهام إنكار ، والإنكار نفي ، وقد دخل على النفي ، ونفي النفي إثبات . ومن أمثلته :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[ الزمر : 36 ] ،
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ] وجعل منه الزمخشريّ :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة : 106 ] .
الرابع : التعجّب أو التعجيب : نحو :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
[ البقرة : 28 ] ،
ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
[ النمل : 20 ] .
وقد اجتمع هذا القسم وسابقاه في قوله :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ
[ البقرة : 44 ] قال الزمخشريّ « 1 » : الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتّعجّب من حالهم .
ويحتمل التعجّب والاستفهام الحقيقي :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ
[ البقرة : 142 ] .
الخامس : العتاب : كقوله :
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
[ الحديد : 16 ] قال ابن مسعود : ما كان بين إسلامهم وبين أن عوتبوا بهذه الآية إلّا أربع سنين . أخرجه الحاكم « 2 » .
ومن ألطفه ما عاتب اللّه به خير خلقه بقوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة : 43 ] ولم يتأدّب الزمخشريّ بأدب اللّه في هذه الآية على عادته في سوء الأدب « 3 » .
هامش
( 1 ) الكشاف 1 / 277 .
( 2 ) رواه مسلم ( 3027 ) ، والنسائي في كتاب التفسير ، من سننه الكبرى ( 588 ) 2 / 388 ، وانظر تفسير البغوي 4 / 297 .
( 3 ) قال الزمخشري في تفسيره 2 / 192 :عَفَا اللَّهُ عَنْكَكناية عن الجناية ، لأنّ العفو رادف لها ، ومعناه :
أخطأت ، وبئس ما فعلت » ا ه .
قال في الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال 2 / 192 : « ليس له - أي للزمخشري - أن يفسّر هذه الآية بهذا التفسير ، وهو بين أحد أمرين :
إما أن لا يكون هو المراد .
وإما أن يكون هو المراد .
وقد أجلّ اللّه نبيّه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب ، وخصوصا في حق المصطفى - عليه الصلاة والسلام - ، فالزمخشري على كلا التقديرين ذاهل عما يجب من حقه عليه الصلاة والسلام ، ولقد أحسن من قال في هذه الآية : إنّ من لطف اللّه تعالى بنبيه أن بدأه بالعفو قبل العتب ، ولو قال له ابتداء : لم أذنت لهم ، لتفطّر قلبه - عليه الصلاة والسلام - ، فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام » ا ه .