تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
الخامس : نفي الاستطاعة : قد يراد به نفي القدرة والإمكان ، وقد يراد به نفي الامتناع ، وقد يراد به الوقوع بمشقّة وكلفة . من الأول :
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً
[ يس : 50 ]
فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها
[ الأنبياء : 40 ]
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً ( 97 )
[ الكهف : 97 ] . ومن الثاني :
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ
[ المائدة : 112 ] على القراءتين « 1 » ، أي : هل يفعل ، أو : هل تجيبنا إلى أن تسأل ؟ فقد علموا أنه قادر على الإنزال ، وأنّ عيسى قادر على السؤال . ومن الثالث :
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
[ الكهف : 67 ] . قاعدة : نفي العامّ يدل على نفي الخاص ، وثبوته لا يدلّ على ثبوته . وثبوت الخاصّ يدل على ثبوت العام ، ونفيه لا يدلّ على نفيه ، وشكّ أنّ زيادة المفهوم من اللفظ توجب الالتذاذ به ، فلذلك كان نفي العام أحسن من نفي الخاص ، وإثبات الخاصّ أحسن من إثبات العام . فالأول : كقوله :
فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
[ البقرة : 17 ] لم يقل : ( بضوئهم ) بعد قوله :
أَضاءَتْ
لأنّ النور أعم من الضّوء ، إذ يقال على القليل والكثير ، وإنّما يقال الضوء على النور الكثير ، ولذلك قال :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
[ يونس : 5 ] ففي الضوء دلالة على النور ، فهو أخصّ منه ، فعدمه يوجب عدم الضوء ، بخلاف العكس ، والقصد إزالة النور عنهم أصلا ، ولذا قال عقبه :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ
. ومنه :
لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ
[ الأعراف : 61 ] ولم يقل : ( ضلال ) كما قالوا :
إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ
[ الأعراف : 60 ] ؛ لأنها أعمّ منه ؛ فكان أبلغ في نفي الضلال . وعبّر عن هذا : بأنّ نفي الواحد يلزم منه نفي الجنس البتّة ، وبأنّ نفي الأدنى يلزم منه نفي الأعلى . والثاني : كقوله :
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
[ آل عمران : 133 ] ولم يقل : ( طولها ) ؛ لأنّ العرض أخصّ ؛ إذ كلّ ما له عرض فله طول ، ولا ينعكس . ونظير هذه القاعدة : أنّ نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل . وقد
هامش
( 1 ) قوله تعالى :هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَقرأه الكسائي بالتاء ونصب ( ربّك ) وقرأ الباقون : بالياء ، ورفع ( ربك ) ، وأدغم الكسائي اللام من ( هل ) و ( بل ) في التاء على أصله . انظر الكشف عن وجوه القراءات 1 / 422 - 423 .