أصلا ، فلا يحصل منهم إلحاف .
ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ
[ غافر : 18 ] أي :
لا شفيع لهم أصلا .
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 )
[ المدثر : 48 ] أي : لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم . بدليل :
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 )
[ الشعراء : 100 ] .
ويسمّى هذا النوع عند أهل البديع : نفي الشيء بإيجابه .
وعبارة ابن رشيق في تفسيره : أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه ، بأن ينفي ما هو من سببه كوصفه ، وهو المنفيّ في الباطن .
وعبارة غيره : أن ينفى الشيء مقيّدا ، والمراد نفيه مطلقا ، مبالغة في النفي وتأكيدا له .
ومنه :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
[ المؤمنون : 117 ] ، فإنّ ( الإله مع اللّه ) لا يكون إلّا عن غير برهان .
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
[ البقرة : 61 ] ، فإنّ قتلهم لا يكون إلّا بغير حقّ .
رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها
[ الرعد : 2 ] ، فإنها لا عمد لها أصلا .
الثالث : قد ينفى الشيء رأسا ، لعدم كمال وصفه أو انتفاء ثمرته . كقوله في صفة أهل النار :
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 )
[ الأعلى : 13 ] فنفى عنه الموت ، لأنه ليس بموت صريح ، ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة .
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 198 ] ، فإنّ المعتزلة احتجّوا بها على نفي الرؤية ؛ فإنّ النظر في قوله تعالى :
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 )
[ القيامة : 23 ] لا يستلزم الإبصار . وردّ : بأن المعنى أنها تنظر إليه بإقبالها عليه ، وليست تبصر شيئا « 1 » .
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
[ البقرة : 102 ] فإنّه وصفهم أولا بالعلم على سبيل التوكيد القسميّ ، ثم نفاه آخرا عنهم لعدم جريهم على موجب العلم . قاله السكاكيّ .
الرابع : قالوا : المجاز يصحّ نفيه ، بخلاف الحقيقة . وأشكل على ذلك :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] فإنّ المنفيّ فيه هو الحقيقة .
وأجيب : بأنّ المراد بالرّمي هنا المترتّب عليه ؛ وهو وصوله إلى الكفار ، فالوارد عليه النفي هنا مجاز لا حقيقة ، والتقدير : وما رميت خلقا إذ رميت كسبا ، أو ما رميت انتهاء إذ رميت ابتداء .
هامش
( 1 ) لقد تواترت الأحاديث ، وأجمع العلماء على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانا . وينبغي إثبات ذلك . والابتعاد عن التأويل والتحكمات التي لا أصل لها في كتاب ولا سنة . انظر كتابنا « رؤية اللّه في الآخرة » وهو ضمن مجموعة « عقائد أئمة السلف » .