تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
فما الحكمة الغرّاء في وضع ظاهر * مكان ضمير إن ذاك لشان
فأرشد على عادات فضلك حيرتي * فما لي بها عند البيان يدان

تنبيه إعادة الظاهر بمعناه أحسن من إعادته بلفظه ،

كما مرّ في آيات :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ
[ الأعراف : 170 ] ،
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
[ الكهف : 30 ] ونحوها . ومنه :
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 105 ] ، فإنّ إنزال الخير مناسب للربوبية ، وأعاده بلفظ ( اللّه ) لأنّ تخصيص الناس بالخير دون غيرهم مناسب للإلهية ، لأنّ دائرة الربوبية أوسع . ومنه :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
إلى قوله :
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
[ الأنعام : 1 ] . وإعادته في جملة أخرى أحسن منه في الجملة الواحدة لانفصالها . وبعد الطول أحسن من الإضمار ، لئلا يبقى الذهن متشاغلا بسبب ما يعود عليه ، فيفوته ما شرع فيه ، كقوله :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ
[ الأنعام : 83 ] بعد قوله :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ
[ الأنعام : 74 ] .

النوع الرابع عشر : الإيغال ، وهو الإمعان :

وهو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتمّ المعنى بدونها . وزعم بعضهم أنه خاصّ بالشعر . وردّ : بأنّه وقع في القرآن من ذلك :
يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ
[ يس : 20 ، 21 ] ، فقوله :
وَهُمْ مُهْتَدُونَ
إيغال ، لأنّه يتمّ المعنى بدونه ، إذ الرسول مهتد لا محالة ، لكن فيه زيادة مبالغة في الحث على اتباع الرسل والترغيب فيه . وجعل ابن أبي الإصبع منه :
وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
[ النمل : 80 ] ؛ فإنّ قوله :
إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
زائد على المعنى ، مبالغة في عدم انتفاعهم .
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
[ المائدة : 50 ] زائدا على المعنى ، لمدح المؤمنين والتعريض بالذم لليهود ، وأنهم بعيدون عن الإيقان .
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
[ الذاريات : 23 ] ، فقوله :
مِثْلَ ما
إلى آخره . . إيغال زائد على المعنى ، لتحقيق هذا الوعد ، وأنه واقع معلوم ضرورة ، لا يرتاب فيه أحد .