إطنابا . قلنا : هو إطناب لما قبله من حيث رفع توهّم غيره ، وإن كان له معنى في نفسه .
النوع الثامن عشر : التتميم « 1 » :
وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتة ، كالمبالغة في قوله :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ
[ الإنسان : 8 ] أي : مع حب الطعام ، أي : اشتهائه ، فإنّ الإطعام حينئذ أبلغ وأكثر أجرا . ومثله :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ
[ البقرة : 177 ] ،
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ
[ طه : 112 ] ، فقوله :
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
تتميم في غاية الحسن .
النوع التاسع عشر : الاستقصاء :
وهو أن يتناول المتكلم معنى فيستقصيه ، فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية ، بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا ، كقوله تعالى :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ
[ البقرة : 266 ] الآية ، فإنّه تعالى لو اقتصر على قوله :
ال
جَنَّةٌ
لكان كافيا ، فلم يقف عند ذلك حتى قال في تفسيرها :
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ
فإنّ مصاب صاحبها بها أعظم ، ثم زاد :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
متمّما لوصفها بذلك ، ثم كمل وصفها بعد التتميمين فقال :
لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
فأتى بكل ما يكون في الجنان ليشتدّ الأسف على إفسادها ، ثم قال في وصف صاحبها :
وَأَصابَهُ الْكِبَرُ
ثم استقصى المعنى في ذلك بما يوجب تعظيم المصاب ، بقوله بعد وصفه بالكبر :
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ
ولم يقف عند ذلك حتى وصف الذرية ب
ضُعَفاءُ
ثم ذكر استئصال الجنة - التي ليس لهذا المصاب غيرها - بالهلاك في أسرع وقت حيث قال :
فَأَصابَها إِعْصارٌ
ولم يقتصر على ذكره ، للعلم بأنه لا يحصل به سرعة الهلاك ، فقال :
فِيهِ نارٌ
ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر باحتراقها ، لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفي باحتراقها ، لما فيها من الأنهار ورطوبة الأشجار ، فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله :
فَاحْتَرَقَتْ
فهذا أحسن استقصاء وقع في كلام وأتمّه وأكمله ! .
قال ابن أبي الإصبع : والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل : أنّ التتميم يرد على المعنى الناقص ليتمّم ، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمّل أوصافه ، والاستقصاء يرد على المعنى التام الكامل فيستقصي لوازمه وعوارضه وأوصافه وأسبابه ، حتى يستوعب
هامش
( 1 ) انظر البرهان 3 / 70 .