الاستغراق ؛ مع أنه ارتاب فيه المرتابون ، لكن نزّل منزلة العدم ، تعويلا على ما يزيله من الأدلة الباهرة ، كما نزّل الإنكار منزلة عدمه لذلك .
وقال الزمخشري « 1 » : بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان على أن يكون الموت نصب عينيه ، ولا يغفل عن ترقبه ، فإنّ مآله إليه ، فكأنه أكّدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى ، لأنّ الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي ، حتى كأنّه يخلد . ولم يؤكد جملة البعث إلّا بإنّ لأنه أبرز في صورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ، ولا يقبل إنكارا .
وقال التاج بن الفركاح : أكّد الموت ردّا على الدهريّة القائلين ببقاء النوع الإنسانيّ خلفا عن سلف ، واستغنى عن تأكيد البعث هنا ، لتأكيده والردّ على منكره في مواضع ، كقوله :
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ
[ التغابن : 7 ] .
وقال غيره : لمّا كان العطف يقتضي الاشتراك ، استغنى عن إعادة اللّام ، لذكرها في الأول .
وقد يؤكّد بها - أي : باللام - للمستشرف الطالب الذي قدّم له ما يلوح بالخبر ، فاستشرفت نفسه إليه ، نحو :
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا
[ هود : 37 ] أي : لا تدعني يا نوح في شأن قومك . فهذا الكلام يلوّح بالخبر تلويحا ، ويشعر بأنه قد حقّ عليهم العذاب ، فصار المقام مقام أن يتردد المخاطب في أنهم : هل صاروا محكوما عليهم بذلك أو لا ؟
فقيل : إنهم مغرقون بالتأكيد .
وكذا قوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ
[ الحج : 1 ] لمّا أمرهم بالتقوى وظهور ثمرتها ، والعقاب على تركها محلّه الآخرة ، تشوّفت نفوسهم إلى وصف حال الساعة ، فقال :
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
[ الحج : 1 ] . بالتأكيد ، ليقرّر عليه الوجوب .
وكذا قوله :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
[ يوسف : 35 ] فيه تحيير للمخاطب ، وتردّد في أنه كيف لا يبرّئ نفسه وهي بريئة زكية ، ثبتت عصمتها وعدم مواقعتها السوء ، فأكّده بقوله :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف ؛ 53 ] .
وقد يؤكّد لقصد الترغيب ، نحو :
فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
[ البقرة : 37 ] أكّد بأربع تأكيدات ترغيبا للعباد في التوبة .
وقد سبق الكلام على أدوات التأكيد المذكورة ومعانيها ومواقعها في النوع الأربعين .
هامش
( 1 ) انظر البرهان 3 / 381 .