قوله :
فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا * نكف ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم * كشبه سراب بالملا متألق
فقوله « لعلنا نكف » يعني « لأجل أن نكف » ، وكونها للتعليل لا ينافي « معنى الترجي » ، ولأن وجود المعلول يرجى عند وجود علته .
قوله تعالى :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
[ 46 ] الآية .
نهى اللّه جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع ، مبينا أنه سبب الفشل ، وذهاب القوة ، ونهى عن الفرقة أيضا في مواضع أخر ، كقوله :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
[ آل عمران : 103 ] ، ونحوها من الآيات ، وقوله في هذه الآية :
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
أي قوتكم .
وقال بعض العلماء : نصركم ؛ كما تقول العرب الريح لفلان إذا كان غالبا ، ومنه قوله :
إذا هبت رياحك فاغتنمها * فإن لكل عاصفة سكون
واسم « إن » ضمير الشأن .
وقال صاحب الكشاف : الريح : الدولة ، شبهت في نفوذ أمرها ، وتمشيه بالريح في هبوبها ، فقيل : هبت رياح فلان ، إذا دالت له الدولة ، ونفذ أمره ، ومنه قوله :
يا صاحبي ألا لا حي بالوادي * إلا عبيد قعود بني أذوادي
أتنظران قليلا ريث غفلتهم * أم تعدوان فإن الريح للعادي
قوله تعالى :
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ . . .
إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ
[ 48 ] .
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان غر الكفار ، وخدعهم ، وقال لهم : لا غالب لكم وأنا جار لكم .
وذكر المفسرون : أنه تمثل لهم في صورة « سراقة بن مالك بن جعشم » سيد بني مدلج ابن بكر بن كنانة ، وقال لهم ما ذكر اللّه عنه ، وأنه مجيرهم من بني كنانة ، وكانت بينهم عداوة ،
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
، عندما رأى الملائكة وقال لهم :
إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
، فكان حاصل أمره أنه غرهم ، وخدعهم حتى أوردهم الهلاك ، ثم تبرأ منهم .
وهذه هي عادة الشيطان مع الإنسان كما بينه تعالى في آيات كثيرة ، كقوله :
كَمَثَلِ