فكل ذلك يدل على عدم الرد إلى الدنيا ، وعلى وجوب العذاب ، وأنه لا محيص لهم عنه .
وبين في موضع آخر أنهم لو ردوا لعادوا إلى الكفر والطغيان ؛ وهو قوله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
[ الأنعام : 28 ] الآية ، وفي هذه الآية الكريمة دليل واضح على أنه تعالى يعلم المعدوم الممكن الذي سبق في علمه أنه لا يوجد كيف يكون لو وجد ، فهو تعالى أنهم لا يردون إلى الدنيا مرة أخرى ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون كما صرح به في قوله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( 28 ) [ الأنعام : 28 ] ، ويعلم أن المتخلفين من المنافقين عن غزوة تبوك لا يحضرونها لأنه هو الذي ثبطهم عنها لحكمة كما بينه بقوله :
وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ
[ التوبة : 46 ] الآية . وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون كما صرح به في قوله :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ
[ التوبة : 47 ] الآية ، ونظير ذلك قوله تعالى :
* وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 75 ) [ المؤمنون : 75 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وبين في مواضع أخر أن اعترافهم هذا بقولهم :
جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا
[ الأعراف : 43 ] لا ينفعهم كقوله تعالى :
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
( 11 ) [ الملك : 11 ] ، وقوله :
قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى
[ الزمر : 71 ] ، ونحو ذلك من الآيات .
قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
[ 54 ] .
لم يفصل هنا ذلك ، ولكنه فصله في سورة « فصلت » بقوله :
* قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
[ فصلت :
9 - 12 ] .
قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
[ 54 ] الآية .
هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات كقوله
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[ الفتح : 10 ] ونحو ذلك ؛ أشكلت على كثير من الناس إشكالا ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة ، فصار قوم إلى تعطيل وقوم إلى التشبيه - سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن ذلك كله - واللّه جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح ، ولم يترك فيه أي لبس ولا إشكال ، وحاصل تحرير ذلك أنه جل وعلا بين أن الحق في آيات الصفات متركب من أمرين :