المراد بالظلم هنا الشرك كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ، وقد بينه قوله تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] ، وقوله :
وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
( 254 ) [ البقرة : 254 ] ، وقوله :
وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ
( 106 ) [ يونس : 106 ] .
قوله تعالى :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ
[ 83 ] الآية .
قال مجاهد وغيره هي قوله تعالى :
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ
[ الأنعام : 81 ] الآية ، وقد صدقه اللّه ، وحكم له بالأمن والهداية ، فقال :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
( 82 ) [ الأنعام : 82 ] .
والظاهر شمولها لجميع احتجاجاته عليهم ، كما في قوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
[ الأنعام : 76 ] ، لأن الأفول الواقع في الكوكب والشمس والقمر أكبر دليل وأوضح حجة على انتفاء الربوبية عنها ، وقد استدل إبراهيم عليه ، وعلى نبينا الصلاة والسلام بالأفول على انتفاء الربوبية في قوله :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
( 76 ) فعدم إدخال هذه الحجة في قوله :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا
[ الأنعام : 83 ] غير ظاهر ، وبما ذكرنا من شمول الحجة لجميع احتجاجاته المذكورة صدر القرطبي ، والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 88 )
[ 88 ] .
ذكر تعالى أن هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة الكريمة لو أشركوا باللّه لحبط جميع أعمالهم .
وصرح في موضع آخر بأنه أوحى هذا إلى نبينا ، والأنبياء قبله عليهم كلهم صلوات اللّه وسلامه ، وهو قوله :
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر :
65 ] الآية ، وهذا شرط ، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع ، لقوله :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
[ الزخرف : 81 ] الآية على القول بأن « إن » شرطية وقوله :
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
[ الأنبياء : 17 ] الآية ، وقوله
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
[ الزمر : 4 ] الآية .
قوله تعالى :
وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ 93 ] .
أي لا أحد أظلم ممن قال
سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
ونظيرها قوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
[ الأنفال : 31 ] ، وقد بين اللّه تعالى كذبهم في افترائهم هذا حيث تحدّى جميع العرب بسورة واحدة منه ، كما ذكره تعالى في البقرة بقوله :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] ، وفي يونس بقوله :
قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
[ يونس : 38 ] ، وتحداهم في هود بعشر سور مثله في قوله :
قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ