تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 182
97 - سورة القدر ( مكية وهي خمس آية ) [ سورة القدر ( 97 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( 3 ) ( سورة القدر مكية مختلف فيها وآيها خمس ) 1 ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) تنويه بشأن القرآن الكريم وإجلال لمحله بإضماره المؤذن بغاية نباهته المغنية عن التصريح به كأنه حاضر في جميع الأذهان وبإسناد إنزاله إلى 2 نون العظمة المنبئ عن كمال العناية به وتفخيم وقت إنزاله بقوله تعالى ( وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) لما فيه من الدلالة على أن علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق لا يدريها ولا يدريها إلا علام الغيوب 3 كما يشعر به قوله تعالى ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) فإنه بيان إجمالى لشأنها إثر تشويقه عليه السلام إلى درايتها فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها وقد مر بيان كيفية إعراب الجملتين وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى والمراد بإنزاله فيها إما إنزال كله إلى السماء الدنيا كما روى أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وأملاه جبريل عليه السلام على السفرة ثم كان ينزله على النبي صلى اللّه عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة وإما ابتداء إنزاله فيها كما نقل عن الشعبي وقيل المعنى أنزلناه في شأن ليلة القدر وفضلها كما في قول عمر رضى اللّه عنه خشيت أن ينزل في قرآن وقول عائشة رضى اللّه عنها لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل في قرآن فالأنسب أن يجعل الضمير حينئذ للسورة التي هي جزء من القرآن لا للكل واختلفوا في وقتها فأكثرهم على أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر في أوتارها وأكثر الأقوال أنها السابعة منها ولعل السر في إخفائها تعريض من يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي الكثيرة رجاء لموافقتها وتسميتها بذلك إما لتقدير الأمور وقضائها فيها لقوله تعالى فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أو لخطرها وشرفها على سائر الليالي وتخصيص الألف بالذكر إما للتكثير أو لما روى أنه صلى اللّه عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل اللّه ألف شهر فعجب المؤمنون منه وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي وقيل إن رجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد اللّه تعالى ألف شهر فأعطوا