تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
[ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 8 إلى 14 ] إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 ) أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 )
شرح
( إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى )تهديد للطاغى وتحذير له من عاقبة الطغيان والالتفات للتشديد في التهديد والرجعى 8 مصدر بمعنى الرجوع كالبشرى وتقديم الجار والمجرور عليه لقصره عليه أي إن إلى مالك أمرك رجوع الكل بالموت والبعث لا إلى غيره استقلالا ولا اشتراكا فسترى حينئذ عاقبة طغيانك وقوله تعالى( أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى )( عَبْداً إِذا صَلَّى )تقبيح وتشنيع لحاله وتعجيب منها وإيذان بأنها من الشناعة 9 ، 10 والغرابة بحيث يجب أن يراها كل من يتأتى منه الرؤية ويقضى منها العجب . روى أن أبا جهل قال في ملأ من طغاة قريش لئن رأيت محمدا يصلى لأطأن عنقه فرآه عليه السلام في الصلاة فجاءه ثم نكص على عقبيه فقالوا ما لك قال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة فنزلت ولفظ العبد وتنكيره لتفخيمه عليه السلام واستعظام النهى وتأكيد التعجب منه والرؤية هاهنا بصرية وأما ما في قوله تعالى( أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى )( أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى )وما في قوله تعالى( أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى )11 ، 12 ، 13 فقلبية معناه أخبرني فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرئى أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها والخطاب لكل من صلح للخطاب ونظم الأمر والتكذيب والتولي في سلك الشرط المتردد بين الوقوع وعدمه ليس باعتبار نفس الأفعال المذكورة من حيث صدورها عن الفاعل فإن ذلك ليس في حيز التردد أصلا بل باعتبار أوصافها التي هي كونها أمرا بالتقوى وتكذيبا وتوليا كما في قوله تعالىقُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِكما مر والمفعول الأول لأرأيت محذوف وهو ضمير يعود إلى الموصول أو اسم إشارة يشار به إليه ومفعوله الثاني سد مسده الجملة الشرطية بجوابها المحذوف فإن المفعول الثاني لأرأيت لا يكون إلا جملة استفهامية أو قسمية والمعنى أخبرني ذلك الناهى إن كان على الهدى فيما ينهى عنه من عبادة اللّه تعالى أو آمرا بالتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقده أو مكذبا للحق معرضا عن الصوب كما نقول نحن( أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى )أي يطلع على أحواله فيجازيه 14