تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 29 إلى 30 ] قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 )
شرح
وتنبيها على جهلهم وعدم فهمهم لمعنى مقالته فإن بيان ربوبيته تعالى للسماوات والأرض وما بينهما وإن كان متضمنا لبيان ربوبيته تعالى للخافقين وما بينهما لكن لما لم يكن فيه تصريح باستناد حركات السماوات وما فيها وتغيرات أحوالها وأوضاعها وكون الأرض تارة مظلمة وأخرى منورة إلى اللّه تعالى أرشدهم إلى طريق معرفة ربوبيته تعالى لما ذكر فإن ذكر المشرق والمغرب منبئ عن شروق الشمس وغروبها المنوطين بحركات السماوات وما فيها على نمط بديع بترتب عليه هذه الأوضاع الرصينة وكل ذلك أمور حادثة مفتقرة إلى محدث قادر عليم حكيم لا كذوات السماوات والأرض التي ربما يتوهم جهلة المتوهمين باستمرارها استغناءها عن الموجد المتصرف( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ )أي إن كنتم تعقلون شيئا من الأشياء أو إن كنتم من أهل العقل علمتم أن الامر كما قلته وفيه إيذان بغاية وضوح الأمر بحيث لا يشتبه على من له عقل في الجملة وتلويح بأنهم بمعزل من دائرة العقل وأنهم المتصفون بما رموه عليه الصلاة والسلام به 29 من الجنون( قالَ )لما سمع اللعين منه عليه الصلاة والسلام تلك المقالات المبنية على أساس الحكم البالغة وشاهد شدة حزمه وقوة عزمه على تمشية أمره وأنه ممن لا يجارى في حلبة المحاورة ضرب صفحا عن عن المقاولة بالإنصاف ونأى بجانبه إلى عدوة الجور والاعتساف فقال مظهرا لما كان يضمره عند السؤال والجواب( لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ )لم يقتنع منه عليه الصلاة والسلام بترك دعوى الرسالة وعدم التعرض له حتى كلفه عليه الصلاة والسلام أن يتخذه إلها لغاية عتوه وغلوه فيما فيه من دعوى الألوهية وهذا صريح في أن تعجبه وتعجيبه من الجواب الأول ونسبته عليه الصلاة والسلام إلى الجنون في الجواب الثاني كان لنسبته عليه الصلاة والسلام الربوبية إلى غيره وأما ما قيل من أن سؤاله كان عن حقيقة المرسل وتعجبه من جوابه كان لعدم مطابقته له لكونه بذكر أحواله فلا يساعده النظم الكريم ولا حال فرعون ولا مقاله واللام في المسجونين للعهد أي لأجعلنك ممن عرفت أحوالهم 30 في سجونى حيث كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك لم يقل لأسجننك( قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ )أي أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي موضح لصدق دعواي يريد به المعجزة فإنها جامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده والتعبير عنها بالشئ للتهويل قالوا الواو في أو لو جئتك للحال دخلت عليها همزة الاستفهام أي جائيا بشيء مبين وقد سلف منا مرار أنها للعطف وأن كلمة لو ليست لانتفاء الشئ في الزمان الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحظ لها جواب قد حذف تعويلا على دلالة ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب على القواعد الصناعية بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفى على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر