[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 46 إلى 48 ]
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 )
شرح
( ثُمَّ قَبَضْناهُ )عطف على مد داخل في حكمه وثم للتراخى الزماني لما أن في بيان كون القبض والمدمر تبين 46 دائرين على قطب مصالح المخلوقات مزيد دلالة على الحكمة الربانية ويجوز أن تكون للتراخى الرتبى أي أزلناه بعد ما أنشأناه ممتدا ومحوناه بمحض قدرتنا ومشيئتنا عند إيقاع شعاع الشمس موقعه من غير أن يكون له تأثير في ذلك أصلا وإنما عبر عنه بالقبض المنبئ عن جمع المنبسط وطيه لما أنه قد عبر عن إحداثه بالمد الذي هو البسط طولا وقوله تعالى( إِلَيْنا )للتنصيص على كون مرجعه إليه تعالى كما أن * حدوثه منه عزّ وجل( قَبْضاً يَسِيراً )أي على مهل قليلا قليلا حسب ارتفاع دليله على وتيرة معينة مطردة * مستتبعة لمصالح المخلوقات ومرافقها وقبل إن اللّه تعالى حين بنى السماء كالقبة المضروبة ودحا الأرض تحتها ألقت القبة ظلها على الأرض لعدم النير وذلك مده تعالى إياه ولو شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك الحالة ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل أي سلطها عليه ونصبها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويقلص ثم نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسيرا وقبضا سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقى الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاؤه بإنشائها ووصفه باليسر على طريقة قوله تعالىذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌوصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً )بيان لبعض بدائع آثار قدرته تعالى وحكمته 47 وروائع أحكام رحمته ونعمته الفائضة على الخلق وتلوين الخطاب لتوفية مقام الامتنان حقه واللام متعلقة بجعل وتقديمها على مفعوليه للاعتناء ببيان كون ما يعقبه من منافعهم وفي تعقيب بيان أحوال الظل ببيان أحكام الليل الذي هو ظل الأرض من لطف المسلك ما لا مزيد عليه أي هو الذي جعل لكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس( وَالنَّوْمَ سُباتاً )أي وجعل النوم الذي يقع في الليل غالبا قطعا عن * الأفاعيل المختصة بحال اليقظة عبر عنه بالسبات الذي هو الموت لما بينها من المشابهة التامة في انقطاع أحكام الحياة وعليه قوله تعالىوَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِوقوله تعالىاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها( وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً )أي زمان بعث من ذلك السبات كبعث الموتى على حذف المضاف * وإقامة المضاف إليه مقامه أو نفس البعث على طريق المبالغة وفيه إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور وعن لقمان عليه السلام يا بنى كما تنام فتوقظ كذلك تموت وتنشر( وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ )48 وقرئ بالتوحيد على أن المراد هو الجنس( بُشْراً )تخفيف بشر جمع بشور أي مبشرين وقرئ بشرى * وقرئ نشرا بالنون جمع نشور أي ناشرات للسحاب وقرئ بالتخفيف وبفتح النون أيضا على أنه مصدر