تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 44 ] أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 44 )
شرح
والأفعال وبيان ما لهم من المصير والمآل وتنبيه على أن ذلك من الغرابة بحيث يجب أن يرى ويتعجب منه وإلهه مفعول ثان لاتخذ قدم على الأول للاعتناء به لأنه الذي يدور عليه أمر التعجيب ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويهما في التعريف فقد زل منه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو المتلبس بالحالة الحادثة أي أرأيت من جعل هواه إلها لنفسه من غير أن يلاحظه وبنى عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة الباهرة والبرهان النير بالكلية على معنى انظر إليه وتعجب منه وقوله تعالى( أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا )إنكار واستبعاد لكونه صلّى اللّه عليه وسلم حفيظا عليه يزجره عما هو عليه من الضلال ويرشده إلى الحق طوعا أو كرها والفاء لترتيب الإنكار على ما قبله من الحالة الموجبة له كأنه قيل أبعد ما شاهدت غلوه في طاعة الهوى وعتوه عن اتباع الهدى تقسره على الإيمان شاء أو أبى وقوله تعالى( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ )إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه صلّى اللّه عليه وسلم لهم ممن يسمع أو يعقل حسبما ينبئ عنه جده صلّى اللّه عليه وسلم في الدعوة واهتمامه بالإرشاد والتذكير لكن لا على أنه لا يقع كالأول بل على أنه لا ينبغي أن يقع أي بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من الآيات حق السماع أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية إلى المحاسن فتعتنى بشأنهم وتطمع في إيمانهم وضمير أكثرهم لمن وجمعه باعتبار معناها كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها وضمير الفعلين لأكثر لا لما أضيف هو إليه وقوله تعالى( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ )الخ جملة مستأنفة مسوقة لتقرير النكير * وتأكيده وحسم مادة الحسبان بالمرة أي ما هم في عدم الانتفاع بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات وانتفاء التدبر فيما يشاهدونه من الدلائل والمعجزات إلا كالبهائم التي هي مثل في الغفلة وعلم في الضلالة( بَلْ هُمْ أَضَلُّ )منها( سَبِيلًا )لما أنها تنقاد لصاحبها الذي يعلفها ويتعهدها وتعرف من يحسن إليها ممن يسئ إليها * وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدى لمراعيها ومشاربها وتأوى إلى معاطنها وهؤلاء لا ينقادون لربهم وخالقهم ورازقهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو أعدى عدوهم ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهنيء والمورد العذب الروى ولأنها إن لم تعتقد حقا مستتبعا لاكتساب الخير لم تعتقد باطلا مستوجبا لاقتراف الشر بخلاف هؤلاء حيث مهدوا قواعد الباطل وفرعوا عليها أحكام الشرور ولأن أحكام جهالتها وضلالتها مقصورة على أنفسها لا تتعدى إلى أحد وجهالة هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفتنة والفساد وصد الناس عن سنن السداد وهيجان الهرج والمرج فيما بين العباد ولأنها غير معطلة لقوة من القوى المودعة بل صارفة لها إلى ما خلقت هي له فلا تقصير من قبلها في طلب الكمال وأما هؤلاء فهم معطلون لقواهم العقلية مضيعون للفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها مستحقون بذلك أعظم العقاب وأشد النكال .
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 221 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي