تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 54 إلى 59 ] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 57 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 ) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 59 )
شرح
54( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً )هو الماء الذي خمر به طينة آدم عليه السلام أو جعله جزءا من مادة البشر ليجتمع ويسلس ويستعد لقبول الأشكال والهيئات بسهولة أو هو النطفة( فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً )أي قسمه قسمين ذوى نسب أي ذكورا ينتسب إليهم وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن كقوله تعالى *فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى( وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً )مبالغا في القدرة حيث قدر على أن يخلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين 55 ذكرا وأنثى( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ )الذي شأنه ما ذكر( ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ )أي ما ليس من شأنه النفع والضر أصلا وهو الأصنام أو كل ما يعبد من دونه تعالى إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع والضر *( وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ )الذي ذكرت آثار ربوبيته( ظَهِيراً )يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك والمراد بالكافر الجنس أو أبو جهل وقيل هينا مهينا لا اعتداد به عنده تعالى من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف 56 ظهرك فيكون كقوله تعالىوَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً )للمؤمنين( وَنَذِيراً )57 للكافرين( قُلْ )لهم( ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ )أي على تبليغ الرسالة الذي ينبئ عنه الإرسال( مِنْ أَجْرٍ )من جهتكم( إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا )أي إلا فعل من يريد أن يتقرب إليه تعالى ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة حسبما أدعوهم إليهما فصور ذلك بصورة الأجر من حيث أنه مقصود الإتيان به واستثنى منه قلعا كليا لشائبة الطمع وإظهارا لغاية الشفقة عليهم حيث جعل ذلك مع كون نفعه عائدا إليهم عائدا 58 إليه صلّى اللّه عليه وسلم وقيل الاستثناء منقطع أي لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ )في الاستكفاء عن شرورهم والإغناء عن أجورهم فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين من شأنهم الموت فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم( وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ )ونزهه عن صفات النقصان مثنيا عليه بنعوت الكمال طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على سوابغه( وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ )ما ظهر منها 59 وما بطن( خَبِيراً )أي مطلعا عليها بحيث لا يخفى عليه شئ منها فيجزيهم جزاء وافيا( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ )