تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 39 إلى 40 ] وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً ( 39 ) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ( 40 )
شرح
ولذلك سميت مغربا فدعا عليها حنظلة عليه السلام فأصابتها الصاعقة ثم إنهم قتلوه عليه السلام فأهلكوا وقيل قوم كذبوا رسولهم فرسوه أي دسوه في بئر( وَقُرُوناً )أي أهل قرون قيل القرن أربعون سنة وقيل * سبعون وقيل مائة وقيل مائة وعشرون( بَيْنَ ذلِكَ )أي بين ذلك المذكور من الطوائف والأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول فذلك كيت وكيت على ذلك المذكور وذلك المحسوب( كَثِيراً )لا يعلم مقدارها إلا العليم الخبير ولعل الاكتفاء في شؤون تلك القرون * بهذا البيان الإجمالي لما أن كل قرن منها لم يكن في الشهرة وغرابة القصة بمثابة الأمم المذكورة( وَكُلًّا )39 منصوب بمضمر يدل عليه ما بعده فإن ضرب المثل في معنى التذكير والتحذير والمحذوف الذي عوض عنه التنوين عبارة إما عن الأمم التي لم يذكر أسباب إهلاكهم وإما عن الكل فإن ما حكى عن قوم نوح وقوم فرعون تكذيبهم للآيات والرسل لا عدم التأثر من الأمثال المضروبة أي ذكرنا وأنذرنا كل واحد من المذكورين( ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ )أي بينا له القصص العجيبة الزاجرة عما هم عليه من الكفر والمعاصي * بواسطة الرسل( وَكُلًّا )أي كل واحد منهم لا بعضهم دون بعض( تَبَّرْنا تَتْبِيراً )عجيبا هائلا لما أنهم لم يتأثروا * بذلك ولم يرفعوا له رأسا وتمادوا على ما هم عليه من الكفر والعدوان وأصل التتبير التفتيت قال الزجاج كل شئ كسرته وفتته فقد تبرته ومنه التبر لفتات الذهب والفضة( وَلَقَدْ أَتَوْا )جملة مستأنفة مسوقة 40 لبيان مشاهدتهم لآثار هلاك بعض الأمم المتبرة وعدم اتعاظهم بها وتصديرها بالقسم لمزيد تقرير مضمونها أي وباللّه لقد أتى قريش في متاجرهم إلى الشام( عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ )أي أهلكت بالحجارة * وهي قرى قوم لوط وكانت خمس قرى ما نجت منها إلا واحدة كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث وأما البواقي فأهلكها اللّه تعالى بالحجارة وهي المرادة بقوله تعالى( مَطَرَ السَّوْءِ )وانتصابه إما على أنه مصدر * مؤكد بحذف الزوائد كما قيل في أنبته اللّه تعالى نباتا حسنا أي أمطار السوء أو على أنه مفعول ثان إذ المعنى أعطيت أو أوليت مطر السوء( أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها )توبيخ لهم على تركهم التذكر عند مشاهدة ما يوجبه * والهمزة لإنكار نفى استمرار رؤيتهم لها وتقرير استمرارها حسب استمرار ما يوجبها من إتيانهم عليها لا لإنكار استمرار نفى رؤيتهم وتقرير رؤيتهم لها في الجملة والفاء لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه المقام أي ألم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها أو أكانوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها في مرار مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب فالمنكر في الأول ترك النظر وعدم الرؤية معا وفي الثاني عدم الرؤية مع تحقق النظر الموجب لها وقوله تعالى( بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً )إما إضراب عما قبله من عدم رؤيتهم * لآثار ما جرى على أهل القرى من العقوبة وبيان لكون عدم اتعاظهم بسبب إنكارهم لكون ذلك عقوبة