تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
[ سورة النور ( 24 ) : آية 3 ] الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 )
شرح
والزانية هي المرأة المطاوعة للزنا الممكنة منه كما تنبئ عنه الصيغة لا المزنية كرها وتقديمها على الزاني لأنها الأصل في الفعل لكون الداعية فيها أوفر ولولا تمكينها منه لم يقع ورفعهما على الابتداء والخبر * قوله تعالى( فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ )والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط إذ اللام بمعنى الموصول والتقدير التي زنت والذي زنى كما في قوله تعالىوَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُماوقيل الخبر محذوف أي فيما أنزلنا أو فيما فرضنا الزانية والزاني أي حكمهما وقوله تعالىفَاجْلِدُواالخ بيان لذلك الحكم وكان هذا عاما في حق المحصن وغيره وقد نسخ في حق المحصن قطعا ويكفينا في تعيين الناسخ القطع بأنه صلّى اللّه عليه وسلم قد رجم ما عزا وغيره فيكون من باب نسخ الكتاب بالسنة المشهورة وفي الإيضاح الرجم حكم ثبت بالسنة المشهورة المتفق عليها فجازت الزيادة بها على الكتاب وروى عن علي رضى اللّه عنه جلدتها بكتاب اللّه ورجمتها بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقيل نسخ بآية منسوخة التلاوة هي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من * اللّه واللّه عزيز حكيم ويأباه ما روى عن علي رضى اللّه عنه( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ )وقرئ بفتح الهمزة وبالمد أيضا على فعالة أي رحمة ورقة( فِي دِينِ اللَّهِ )في طاعته وإقامة حده فتعطلوه أو تسامحوا فيه وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )من باب التهييج والإلهاب فإن الإيمان بهما يقتضى الجد في طاعته تعالى والاجتهاد في إجراء أحكامه وذكر * اليوم الآخر لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة المسامحة والتعطيل( وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )أي لتحضره زيادة في التنكيل فإن التفضيح قد ينكل أكثر مما ينكل التعذيب والطائفة فرقة يمكن أن تكون حافة حول شئ من الطوف وأقلها ثلاثة كما روى عن قتادة وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما أربعة إلى أربعين 3 وعن الحسن عشرة والمراد جمع يحصل به التشهير والزجر( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ )حكم مؤسس على الغالب المعتاد جئ به لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا بهن وقد رغب بعض من ضعفة المهاجرين في نكاح موسرات كانت بالمدينة من بغايا المشركين فاستأذنوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك فنفروا عنه ببيان أنه من أفعال الزناة وخصائص المشركين كأنه قيل الزاني لا يرغب إلا في نكاح إحداهما والزانية لا يرغب في نكاحها إلا أحدهما فلا تحوموا حوله كيلا تنتظموا في سلكهما أو تتسموا بسمتهما فإيراد الجملة الأولى مع أن مناط التنفير هي الثانية إما للتعريض بقصرهم الرغبة عليهن حيث استأذنوا في نكاحهن أو لتأكيد العلاقة بين الجانبين مبالغة في الزجر والتنفير وعدم التعرض في الجملة الثانية للمشركة للتنبيه على أن مناط الزجر والتنفير هو الزنا لا مجرد الإشراك وإنما تعرض * لها في الأولى إشباعا في التنفير عن الزانية بنظمها في سلك المشركة( وَحُرِّمَ ذلِكَ )أي نكاح الزواني( عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )لما أن فيه من التشبيه بالفسقة والتعرض للتهمة والتسبب لسوء القالة والطعن في النسب واختلال