تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 45 ] وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 )
شرح
وأملتم بعيدا ولم تحدثوا أنفسكم بالانتقال منها إلى هذه الحالة وفيه إشعار بامتداد زمان التأخير وبعد مداه أو مالكم من زوال من هذه الدار إلى دار أخرى للجزاء كقوله تعالىوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُوصيغة الخطاب في جواب القسم لمراعاة حال الخطاب في أقسمتم كما في قوله حلف باللّه ليخرجن وهو أدخل في التوبيخ من أن يقال ما لنا مراعاة لحال المقسم ذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال لأهل النار خمس دعوات يجيبهم اللّه تعالى في أربع منها فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا يقولون ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل فيجيبهم اللّه تعالى ذلكم بأنه إذا دعى اللّه وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم للّه العلى الكبير ثم يقولونرَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَفيجيبهم اللّه تعالىفَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذاالآية ثم يقولونرَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَفيجيبهم اللّه تعالىأَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْالآية ثم يقولونرَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُفيجيبهم اللّه تعالىأَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍفيقولونرَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَفيجيبهم اللّه تعالىاخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِفلا يتكلمون بعدها أبدا إن هو إلا زفير وشهيق وعند ذلك انقطع رجاؤهم وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض وأطبقت عليهم جهنم اللهم إنا بك نعوذ وبكنفك نلوذ عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك( وَسَكَنْتُمْ )من السكنى بمعنى التبوؤ والإيطان وإنما استعمل بكلمة في 45 حيث قيل( فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ )جريا على الأصل لأنه منقول عن مطلق السكون الذي * حقه التعدية بها أو من السكون واللبث أي قررتم في مساكنهم مطمئنين سائرين سيرتهم في الظلم والكفر والمعاصي غير محدثين لأنفسكم بما لقوا بسبب ما اجترحوا من الموبقات وفي إيقاع الظلم على أنفسهم بعد إطلاقه فيما سلف إيذان بأن غائلة الظلم آئلة إلى صاحبه والمراد بهم إما جميع من تقدم من الأمم المهلكة على تقدير اختصاص الاستمهال والخطاب السابق بالمنذرين وإما أوائلهم من قوم نوح وهود على تقدير عمومهما للكل وهذا الخطاب وما يتلوه باعتبار حال أواخرهم( وَتَبَيَّنَ لَكُمْ )بمشاهدة الآثار وتواتر الأخبار *( كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ )من الإهلاك والعقوبة بما فعلوا من الظلم والفساد وكيف منصوب بما بعده من الفعل * وليس الجملة فاعلا لتبين كما قاله بعض الكوفيين بل فاعله ما دلت هي عليه دلالة واضحة أي فعلنا العجيب بهم وفيه من المبالغة ما ليس في أن يقال ما فعلنا بهم كما مر في قوله تعالىلَيَسْجُنُنَّهُوقرئ وبين( وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ )أي بينالكم في القرآن العظيم على تقدير اختصاص الخطاب بالمنذرين أو على ألسنة الأنبياء عليهم السلام على تقدير عمومه لجميع الظالمين صفات ما فعلوا وما فعل بهم من الأمور التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم لتعتبروا بها وتقيسوا أعمالكم على أعمالهم ومآلكم على مآلهم وتنتقلوا من حلول