تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 40 إلى 42 ] رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 ) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 ) وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 )
شرح
* ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة أو مائة وسبع عشرة سنة( إِنَّ رَبِّي )* ومالك أمرى( لَسَمِيعُ الدُّعاءِ )لمجيبه من قولهم سمع الملك كلامه إذا اعتد به وهي من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى مفعوله أو فاعله بإسناد السماع إلى دعاء اللّه تعالى مجازا وهو مع كونه من تتمة الحمد والشكر إذ هو وصف له تعالى بأن ذلك الجميل سنته المستمرة تعليل على طريقة التذييل للهبة المذكورة وفيه إيذان بتضاعف النعمة فيها حيث وقعت بعد الدعاء بقولهرَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَفاقترنت الهبة بقبول الدعوة وتوحيد ضمير المتكلم وإن كان عقيب ذكر هبتهما لما أن نعمة الهبة 40 فائضة عليه خاصة وهما من النعم لا من المنعم عليهم( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ )مثابرا عليها معدلا لها * وتوحيد ضمير المتكلم مع شمول دعوته لذريته أيضا حيث قال( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي )أي بعضهم من المذكورين ومن يسير سيرتهما من أولادهما للإشعار بأنه المقتدى في ذلك وذريته أتباع له وأن ذكرهم بطريق الاستطراد لا كما في قولهرَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُالخ فإن إسكانه مع عدم تحققه بلا ملابسة لمن أسكنه إنما هو مذكور بطريق التمهيد للدعاء الذي هو مخصوص بذريته وإنما خص هذا الدعاء ببعض ذريته لعلمه من جهة اللّه تعالى أن بعضا منهم لا يكون مقيم الصلاة كقوله تعالىرَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ( رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ )أي دعائي هذا المتعلق بجعلى وجعل بعض ذريتي مقيمى الصلاة ثابتين على 41 ذلك مجتنبين عن عبادة الأصنام ولذلك جئ بضمير الجماعة( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي )أي ما فرط منى من ترك * الأولى في باب الدين وغير ذلك مما لا يسلم منه البشر( وَلِوالِدَيَّ )وقرئ بالتوحيد ولأبوى وهذا الاستغفار منه عليه السلام إنما كان قبل تبين الأمر له عليه السلام وقيل أراد بوالديه آدم وحواء وقيل بشرط الإسلام ويرده قوله تعالىإِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَالآية وقد مر في سورة التوبة نوع تحقيق للمقام * وسيأتي تمامه في سورة مريم بفضل اللّه تعالى( وَلِلْمُؤْمِنِينَ )كافة من ذريته وغيرهم وللإيذان باشتراك الكل * في الدعاء بالمغفرة جئ بضمير الجماعة( يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ )أي يثبت ويتحقق محاسبة أعمال المكلفين على وجه العدل استعير له من ثبوت القائم على الرجل بالاستقامة ومنه قامت الحرب على ساق والمراد تهويله وقيل أسند إليه قيام أهله مجازا أو حذف المضاف كما في واسأل القرية واعلم أن ما حكى عنه عليه السلام من الأدعية والأذكار وما يتعلق بها ليس بصادر عنه على الترتيب المحكى ولا على وجه المعية بل صدر عنه في أزمنة متفرقة حكى مرتبا للدلالة على سوء حال الكفرة بعد ظهور أمره في الملة وإرشاد الناس إليها 42 والتضرع إلى اللّه تعالى لمصالحهم الدينية والدنيوية( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ )خطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والمراد تثبيته على ما كان عليه من عدم حسبانه عزّ وجل كذلك نحو قولهوَلا تَكُونَنَّ مِنَ *