[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 43 ]
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 )
شرح
الْمُشْرِكِينَ *ونظائره مع ما فيه من الإيذان بكونه واجب الاحتراز عنه في الغاية حتى نهى عنه من لا يمكن تعاطيه أو نهيه عليه السلام عن حسبانه تعالى تاركا لعقابهم على طريقة العفو والتعبير عنه بذلك للمبالغة في النهى والإيذان بأن ذلك الحسبان بمنزلة حسبانه تعالى غافلا عن أعمالهم إذ العلم بذلك مستوجب لعقابهم لا محالة فتركه لو كان لكان للغفلة عما يوجبه من أعمالهم الخبيثة وفيه تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ووعد له أكيد ووعيد للكفر وسائر الظالمين شديد أو لكل أحد ممن يستعجل عذابهم أو يتوهم إهمالهم للجهل بصفاته تعالى والاغترار بإمهاله وقيل معناه لا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة الغافل عما عملوا بل معاملة من يحافظ على أعمالهم ويجازيهم بذلك نقيرا وقطميرا والمراد بالظالمين أهل مكة ممن عدت مساويهم من تبديل نعمة اللّه تعالى كفرا وإحلال قومهم دار البوار واتخاذ الأنداد كما يؤذن به التعرض لحكمة التأخير المنبئ عنه قوله تعالىقُلْ تَمَتَّعُواالآية أو جنس الظالمين وهم داخلون في الحكم دخولا أوليا( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ )يمهلهم * متمتعين بالحظوظ الدنياوية ولا يعجل عقوبتهم حسبما يشاهد وهو استئناف وقع تعليلا للنهي السابق أي دم على ما كنت عليه من عدم حسبانه تعالى غافلا عن أعمالهم ولا تحزن بتأخير ما تستوجبه من العذاب الأليم إذ تأخيره للتشديد والتغليظ أو لا تحسبنه تعالى تاركا لعقوبتهم لما ترى من تأخيرها إنما ذلك لأجل هذا أو لا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة الغافل ولا يؤاخذهم بما عملوا لما ترى من التأخير إنما هو لهذه الحكمة وقرئ بالنون وإيقاع التأخير عليهم مع أن المؤخر إنما هو عذابهم لتهويل الخطب وتفظيع الحال ببيان أنهم متوجهون إلى العذاب مرصدون لأمر ما لا أنهم باقون باختيارهم وللدلالة على أن حقهم من العذاب هو الاستئصال بالمرة وأن لا يبقى منهم في الوجود عين ولا أثر وللإيذان بأن المؤخر له من جملة العذاب وعنوانه ولو قيل إنما يؤخر عذابهم الخ لما فهم ذلك( لِيَوْمٍ )هائل( تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ )ترتفع أبصار أهل الموقف فيدخل في زمرتهم الكفرة المعهودون دخولا أوليا أي تبقى مفتوحة لا تتحرك أجفانهم من هول ما يرونه واعتبار عدم قرارها في أماكنها إما باعتبار الارتفاع الحسى في جرم العين وإما بجعل الصيغة من شخص من بلد إلى بلد وسار في الارتفاع( مُهْطِعِينَ )مسرعين 43 إلى الداعي مقبلين عليه بالخوف والذل والخشوع أو مقبلين بأبصارهم عليه لا يقلعون عنه ولا يطرفون هيبة وخوفا وحيث كان إدامة النظر هاهنا بالنظر إلى الداعي قيل( مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ )أي رافعيها مع إدامة * النظر من غير التفات إلى شئ قاله العتبى وابن عرفة أو ناكسيها ويقال أقنع رأسه أي طأطأها ونكسها فهو من الأضداد وهما حالان مما دل عليه الأبصار من أصحابها أو الثاني حال متداخلة من الضمير في الأول وإضافته غير حقيقية فلا ينافي الحالية( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ )أي لا يرجع إليهم تحريك أجفانهم حسبما * كان يرجع إليهم كل لحظة بل تبقى أعينهم مفتوحة لا تطرف أو لا ترجع إليهم أجفانهم التي هي آلة الطرف فيكون إسناد الرجوع إلى الطرف مجازيا أو هو نفس الجفن قال الفيروزآبادي الطرف العين لا يجمع لأنه مصدر في الأصل أو اسم جامع للعين أو لا يرجع نظرهم إلى أنفسهم فضلا عن أن يرجع إلى شئ آخر