تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 46 ] وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 )
شرح
العذاب العاجل إلى حلول العذاب الآجل فترتدعوا عما كنتم فيه من الكفر والمعاصي أو بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب والجمل الثلاث في موقع الحال من ضمير أقسمتم أي أقسمتم بالخلود والحال أنكم سكنتم في مساكن المهلكين بظلمهم وتبين لكم فعلنا العجيب بهم ونبهناكم على جلية الحال 46 بضرب الأمثال وقوله عزّ وجل( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ )حال من الضمير الأول فيفَعَلْنا بِهِمْأو من الثاني أو منهما جميعا وإنما قدم عليه قوله تعالىوَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَلشدة ارتباطه بما قبله أي فعلنا بهم ما فعلنا والحال أنهم قد مكروا في إبطال الحق وتقرير الباطل مكرهم العظيم الذي استفرغوا في عمله المجهود وجاوزوا فيه كل حد معهود بحيث لا يقدر عليه غيرهم فالمراد بيان تناهيهم في استحقاق ما فعل بهم أو قد مكروا مكرهم المذكور في ترتيب مبادى البقاء ومدافعة أسباب الزوال فالمقصود إظهار عجزهم واضمحلال * قدرتهم وحقارتها عند قدرة اللّه تعالى( وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ )أي جزاء مكرهم الذي فعلوه على أن المكر مضاف إلى فاعله أو أخذه تعالى بهم على أنه مضاف إلى مفعوله وتسميته مكرا لكونه بمقابلة مكرهم وجودا وذكرا أو لكونه في صورة المكر في الإتيان من حيث لا يشعرون وعلى التقديرين فالمراد به ما أفاده قوله عزّ وجلكَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْلا أنه وعيد مستأنف والجملة حال من الضمير فيمَكَرُواأي مكروا مكرهم وعند اللّه جزاؤه أو ما هو أعظم منه والمقصود بيان فساد رأيهم حيث باشروا فعلا مع تحقق * ما يوجب تركه( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ )في العظم والشدة( لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ )أي وإن كان مكرهم في غاية المتانة والشدة وعبر عن ذلك بكونه مسوى ومعدا لإزالة الجبال عن مقارها لكونه مثلا في ذلك والجملة المصدرة بأن الوصلية معطوفة على جملة مقدرة والمعنى وعند اللّه جزاء مكرهم أو المكر الذي يحيق بهم إن لم يكن مكرهم لتزول منه الجبال وإن كان الخ وقد حذف ذلك حذفا مطردا لدلالة المذكور عليه دلالة واضحة فإن الشئ إذا تحقق عند وجود المانع القوى فلأن يتحقق عند عدمه أولى وعلى هذه النكتة يدور ما في إن الوصلية من التأكيد المعنوي والجوب محذوف دل عليه ما سبق وهو قوله تعالىوَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْوقيل إن نافية واللام لتأكيدها كما في قوله تعالىوَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْوينصره قراءة ابن مسعود رضى اللّه عنه وما كان مكرهم فالجملة حينئذ حال من الضمير في مكروا لا من قوله تعالىوَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْأي مكروا مكرهم والحال أن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال على أنها عبارة عن آيات اللّه تعالى وشرائعه ومعجزاته الظاهرة على أيدي الرسل السالفة عليهم السلام التي هي بمنزلة الجبال الراسيات في الرسوخ وأما كونها عبارة عن أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأمر القرآن العظيم كما قيل فلا مجال له إذ الماكرون هم المهلكون لا الساكنون في مساكنهم من المخاطبين وإن خص الخطاب بالمنذرين وقيل هي مخففة من إن والمعنى إنه كان مكرهم ليزول منه ما هو كالجبال في الثبات مما ذكر من الآيات والشرائع والمعجزات والجملة كما هي حال من ضمير مكروا أي مكروا مكرهم المعهود وإن الشأن كان مكرهم لإزالة الآيات والشرائع على معنى أنه لم يكن يصح أن يكون منهم مكر كذلك وكان شأن الآيات والشرائع مانعا من مباشرة المكر