تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 124 ] إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 124 )
شرح
حال من المضاف إليه لما أن المضاف لشدة اتصاله به عليه السلام جرى منه مجرى البعض فعد بذلك من قبيل رأيت وجه هند قائمة والمأمور به الاتباع في الأصول دون الشرائع المتبدلة بتبدل الأعصار وما في * ثم من التراخي في الرتبة للإيذان بأن هذه النعمة من أجل النعم الفائضة عليه عليه السلام( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )تكرير لما سبق لزيادة تأكيد وتقرير لنزاهته عليه السلام عما هم عليه من عقد وعمل 124 وقوله تعالى( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ )أي فرض تعظيمه والتخلي فيه للعبادة وترك الصيد فيه تحقيق لذلك النفي الكلى وتوضيح له بإبطال ما عسى يتوهم كونه قادحا في كليته حسبما سلف في قوله تعالىوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْناالخ فإن اليهود كانوا يدعون أن السبت من شعائر الإسلام وأن إبراهيم عليه السلام كان محافظا عليه أي ليس السبت من شرائع إبراهيم وشعائر ملته التي أمرت باتباعها حتى يكون بينه عليه الصلاة والسلام وبين بعض المشركين علاقة في الجملة وإنما شرع ذلك لبنى إسرائيل بعد مدة طويلة وإيراد الفعل مبنيا للمفعول جرى على سنن الكبرياء وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة الإسناد إلى الغير وقد قرئ على البناء للفاعل وإنما عبر عن ذلك بالجعل موصولا بكلمة على وعنهم بالاسم الموصول * باختلافهم فقيل إنما جعل السبت( عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ )للإيذان بتضمنه للتشديد والابتلاء المؤدى إلى العذاب وبكونه معللا باختلافهم في شأنه قبل الوقوع إيثارا له على ما أمر اللّه تعالى به واختيارا للعكس لكن لا باعتبار شمول العلية لطرفى الاختلاف وعموم الغائلة للفريقين بل باعتبار حال منشأ الاختلاف من الطرف المخالف للحق وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام أمر اليهود أن يجعلوا في الأسبوع يوما واحدا للعبادة وأن يكون ذلك يوم الجمعة فأبوا عليه وقالوا نريد اليوم الذي فرغ اللّه تعالى فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة فأذن اللّه تعالى لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فأطاع أمر اللّه تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون * وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم اللّه سبحانه قردة دون أولئك المطيعين( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ )* أي بين الفريقين المختلفين فيه( يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )أي يفصل ما بينهما من الخصومة والاختلاف فيجازى كل فريق بما يستحقه من الثواب والعقاب وفيه إيماء إلى أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحد الفريقين وإنجاء الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شئ لا يعتد به هذا هو الذي يستدعيه الإعجاز التنزيلي وقيل المعنى إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه أي أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى وكان حتما عليهم أن يتفقوا على تحريمه حسبما أمر اللّه سبحانه به وفسر الحكم بينهم بالمجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارة والتحريم أخرى ووجه إيراده هاهنا بأنه أريد به إنذار المشركين من سخط اللّه تعالى على العصاة والمخالفين لأوامره كضرب المثل بالقرية التي كفرت بأنعم اللّه تعالى ولا ريب في أن كلمة بينهم تحكم بأن المراد بالحكم هو فصل ما بين الفريقين من الاختلاف وأن توسيط حديث المسخ للإنذار المذكور بين
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 150 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي