تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 117 إلى 120 ] مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 ) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 )
شرح
فإن مدار الحل والحرمة ليس إلا أمر اللّه تعالى فالحكم بالحل والحرمة إسناد للتحليل والتحريم إلى اللّه * سبحانه من غير أن يكون ذلك منه واللام لام العاقبة( إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ )في أمر من 117 الأمور( لا يُفْلِحُونَ )لا يفوزون بمطالبهم التي ارتكبوا الافتراء للفوز بها( مَتاعٌ قَلِيلٌ )خبر مبتدأ * محذوف أي منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة( وَلَهُمْ )في الآخرة( عَذابٌ أَلِيمٌ )لا يكتنه 118 كنهه( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا )خاصة دون غيرهم من الأولين والآخرين( حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ )أي بقوله * تعالىحَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُماالآية( مِنْ قَبْلُ )متعلق بقصصنا أو بحرمنا وهو تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالفه من فرية اليهود وتكذيبهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما * حتى انتهى الأمر إلينا( وَما ظَلَمْناهُمْ )بذلك التحريم( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه حسبما نعى عليهم قوله تعالىفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْالآية ولقد ألقمهم الحجر قوله تعالىكُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَروى أنه صلّى اللّه عليه وسلم لما قال لهم ذلك بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة كيف وقد بين فيها أن تحريم ما حرم عليهم من الطيبات لظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديدا أوضح بيان وفيه 119 تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ )أي بسبب جهالة أو ملتبسين بها ليعم الجهل باللّه وبعقابه وعدم التدبر في العواقب لغلبة الشهوة والسوء يعم الافتراء على اللّه * تعالى وغيره( ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ )أي من بعد ما عملوا ما عملوا والتصريح به مع دلالة ثم عليه للتأكيد * والمبالغة( وَأَصْلَحُوا )أي أصلحوا أعمالهم أو دخلوا في الصلاح( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها )من بعد التوبة *( لَغَفُورٌ )لذلك السوء( رَحِيمٌ )يثيب على طاعته تركا وفعلا وتكرير قوله تعالىإِنَّ رَبَّكَلتأكيد الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلّى اللّه عليه وسلم مع ظهور الأثر في التائبين للإيماء إلى أن إفاضة آثار الربوبية من المغفرة والرحمة عليهم بتوسطه صلّى اللّه عليه وسلم وكونهم من أتباعه كما 120 أشير إليه فيما مر( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً )على حياله لحيازته من الفضائل البشرية ما لا تكاد توجد إلا متفرقة في