تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 121 إلى 123 ] شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 122 ) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 123 )
شرح
أمة جمة حسبما قيل[ ليس على اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد ]وهو رئيس أهل التوحيد وقدوة أصحاب التحقيق جادل أهل الشرك وألقمهم الحجر ببينات باهرة لا تبقى ولا تذر وأبطل مذاهبهم الزائغة بالبراهين القاطعة والحجج الدامغة أو لأنه صلّى اللّه عليه وسلم كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار وقيل هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والنخبة من أمه إذا قصده أو اقتدى به فإن الناس كانوا يقصدونه ويقتدون بسيرته لقوله تعالىإِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماًوإيراد ذكره صلّى اللّه عليه وسلم عقيب تزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله اللّه تعالى للإيذان بأن حقية دين الإسلام وبطلان الشرك وفروعه أمر ثابت لا ريب فيه( قانِتاً لِلَّهِ )مطيعا له قائما بأمره( حَنِيفاً )مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق غير زائل عنه بحال *( وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا صرح بذلك مع ظهوره لا ردا على كفار قريش * فقط في قولهم نحن على ملة أبينا إبراهيم بل عليهم وعلى اليهود المشركين بقولهم عزير ابن اللّه في افترائهم وادعائهم أنه عليه الصلاة والسلام كان على ما هم عليه كقوله سبحانهما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَإذ به ينتظم أمر إيراد التحريم والسبت سابقا ولاحقا( شاكِراً لِأَنْعُمِهِ )صفة ثالثة لأمة وإنما أوثر صيغة جمع القلة للإيذان بأنه عليه السلام كان لا يخل بشكر 121 النعمة القليلة فكيف بالكثيرة وللتصريح بكونه عليه السلام على خلاف ما هم عليه من الكفران بأنعم اللّه تعالى حسبما بين ذلك بضرب المثل( اجْتَباهُ )للنبوة( وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )موصل إليه سبحانه * وهو ملة الإسلام وليست نتيجة هذه الهداية مجرد اهتدائه عليه السلام بل مع إرشاد الخلق أيضا بمعونة قرينة الاجتباء( وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً )حالة حسنة من الذكر الجميل والثناء فيما بين الناس قاطبة حتى 122 أنه ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه وقيل هي الخلة والنبوة وقيل قول المصلى منا كما صليت على إبراهيم والالتفات إلى التكلم لإظهار كمال الاعتناء بشأنه وتفخيم مكانه عليه الصلاة والسلام( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )أصحاب الدرجات العالية في الجنة حسبما سأله بقولهوَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ )مع علو طبقتك وسمو رتبتك( أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ )الملة اسم لما شرعه اللّه تعالى لعباده على لسان الأنبياء عليهم السلام من أمللت الكتاب إذا أمليته وهو الدين بعينه لكن باعتبار الطاعة له وتحقيقه أن الوضع الإلهى مهما نسب إلى من يؤديه عن اللّه تعالى يسمى ملة ومهما نسب إلى من يقيمه ويعمل به يسمى دينا قال الراغب الفرق بينهما أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا تكاد توجد مضافة إلى اللّه سبحانه ولا إلى آحاد الأمة ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها والمراد بملته عليه السلام الإسلام الذي عبر عنه آنفا بالصراط المستقيم( حَنِيفاً )*
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 149 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي