تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 128 ] إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 )
شرح
بفواته أو محظور فكيف عن الخوف من وقوعه( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا )تعليل لما سبق من الأمر والنهى 128 والمراد بالمعية الولاية الدائمة التي لا تحوم حول صاحبها شائبة شئ من الجزع والحزن وضيق الصدر وما يشعر به دخول كلمة مع من متبوعية المتقين إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتقوى وكذا الحال في قوله سبحانهإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *ونظائرهما كافة والمراد بالتقوى المرتبة الثالثة منه الجامعة لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك ومرتبة التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك أعنى التنزه عن كل ما يشغل سره عن الحق والتبتل إليه بشراشر نفسه وهو التقوى الحقيقي المورث لولايته تعالى المقرونة ببشارة قوله سبحانهأَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَوالمعنى أن اللّه ولى الذين تبتلوا إليه بالكلية وتنزهوا عن كل ما يشغل سرهم عنه فلم بخطر ببالهم شئ من مطلوب أو محذور فضلا عن الحزن بفواته أو الخوف من وقوعه وهو المعنى بما به الصبر المأمور به حسبما أشير إليه وبه يحصل التقريب ويتم التعليل كما في قوله تعالىفَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَعلى أحد التفسيرين كما حقق في مقامه وإلا فمجرد التوقي عن المعاصي لا يكون مدارا لشئ من العزائم المرخص في تركها فكيف بالصبر المشار إليه ورديفيه وإنما مداره المعنى المذكور فكأنه قيل إن اللّه مع الذين صبروا وإنما أوثر ما عليه النظم الكريم مبالغة في الحث على الصبر بالتنبيه على أنه من خصائص أجل النعوت الجليلة وروادفه كما أن قوله تعالى( وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )للإشعار بأنه من باب الإحسان الذي يتنافس * فيه المتنافسون على ما فصل ذلك حيث قيل واصبر فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين وقد نبه على أن كلا من الصبر والتقوى من قبيل الإحسان في قوله تعالىإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَوحقيقة الإحسان الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي وقد فسره عليه الصلاة والسلام بقوله أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وتكرير الموصول للإيذان بكفاية كل من الصلتين في ولايته سبحانه من غير أن تكون إحداهما تتمة للأخرى وإيراد الأولى فعلية للدلالة على الحدوث كما أن إيراد الثانية اسمية لإفادة كون مضمونها شيمة راسخة لهم وتقديم التقوى على الإحسان لما أن التخلية متقدمة على التحلية والمراد بالموصولين إما جنس المتقين والمحسنين وهو عليه الصلاة والسلام داخل في زمرتهم دخولا أوليا وإما هو عليه الصلاة والسلام ومن شايعه عبر عنهم بذلك مد حالهم وثناء عليهم بالنعتين الجميلين وفيه رمز إلى أن صنيعه عليه الصلاة والسلام مستتبع لاقتداء الأمة به كقول من قال لابن عباس رضى اللّه عنهما عند التعزية[ اصبر نكن بك صابرين فإنما * صبر الرعية عند صبر الرأس ]عن هرم بن حيان أنه قيل له حين الاحتضار أوص قال إنما الوصية من المال وأوصيكم بخواتيم سورة النحل . عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من قرأ سورة النحل لم يحاسبه اللّه تعالى بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلته كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية ، والحمد للّه وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله أجمعين .
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 153 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي