تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ، قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ، إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ، فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
. الضمير في
لَهُمُ
لقريش ، و
ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ
، قال قتادة ومقاتل : عذاب الأمم قبلكم ،
وَما خَلْفَكُمْ
: عذاب الآخرة . وقال مجاهد : عكسه . وقال الحسن : خوفوا بما مضى من ذنوبهم وما يأتي منها . وقال مجاهد أيضا ، كقول الحسن :
ما تَقَدَّمَ مِنْ
ذنوبكم وما تأخر ،
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
. وجواب إذا محذوف يدل عليه ما بعده ، أي أعرضوا .
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ
: أي دأبهم الإعراض عند كل آية تأتيهم .
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا
: لما أسلم حواشي الكفار من أقربائهم ومواليهم من المستضعفين ، قطعوا عنهم ما كانوا يواسونهم به ، وكان ذلك بمكة أولا قبل نزول آيات القتال ، فندبهم المؤمنون إلى صلة قراباتهم فقالوا :
أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ
. وقيل : سحق قريش بسبب أذية المساكين من مؤمن وغيره ، فندبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى النفقة عليهم ، فقالوا هذا القول . وقيل : قال فقراء المؤمنين : أعطونا ما زعمتم من أموالكم ، إنها للّه ، فحرموهم وقالوا ذلك على سبيل الاستهزاء . وقال ابن عباس : كان بمكة زنادقة ، إذا أمروا بالصدقة قالوا : لا واللّه ، أيفقره اللّه ونطمعه نحن ؟ أو كانوا يسمعون المؤمنين يعلقون الأفعال بمشيئة اللّه : لو شاء اللّه لأغنى فلانا ، ولو شاء لأعزه ، ولو شاء لكان كذا ، فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولون . وقال القشيري : نزلت في قوم من الزنادقة لا يؤمنون بالصانع ، استهزاء بالمسلمين بهذا القول . وقال الحسن :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ
، أي اليهود ، أمروا بإطعام الفقراء . وجواب لو نشاء قوله : أطعمهم ، وورود الموجب بغير لام فصيح ، ومنه :
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ
« 1 » ،
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً
« 2 » ؛ والأكثر مجيئه باللام ، والتصريح بالموضعين من الكفر والإيمان دليل على أن المقول لهم هم الكافرون ، والقائل لهم هم المؤمنون ، وأن كل وصف حامل صاحبه على ما صدر منه ، إذ كل إناء بالذي فيه يرشح . وأمروا بالإنفاق
مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
، وهو عام في الإطعام وغيره ، فأجابوا بغاية المخالفة ، لأن نفي إطعامهم يقتضي نفي الإنفاق
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 100 . ( 2 ) سورة الواقعة : 56 / 70 .