تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
نوع تفسير الباطنية وغلاة المتصوفة الذين يفسرون كتاب اللّه على شيء لا يدل عليه اللفظ بجهة من جهات الدلالة ، يحرفون الكلم عن مواضعة . ويدل على أنه أريد ظاهر الفلك قوله :
وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ
: يعني الإبل والخيل والبغال والحمير ، والمماثلة في أنه مركوب مبلغ للأوطان فقط ، هذا إذا كان الفلك جنسا . وأما إن أريد به سفينة نوح ، فالمماثلة تكون في كونها سفنا مثلها ، وهي الموجودة في بني آدم . ويبعد قول من قال : الذرية في الفلك قوم نوح في سفينته ، والمثل الأجل : وما يركب ، لأنه يدفعه قوله :
وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ
. وقرأ نافع ، وابن عامر ، والأعمش ، وزيد بن عليّ ، وأبان بن عثمان : ذرياتهم بالجمع ؛ وكسر زيد وأبان الذال ؛ وباقي السبعة ، وطلحة ، وعيسى : بالإفراد . وقال الزمخشري : ذريتهم : أولادهم ومن يهمهم حمله . وقيل : اسم الذرية يقع على النساء ، لأنهن مزارعها . وفي الحديث : « أنه نهى عن قتل الذراري » ، يعني النساء .
مِنْ مِثْلِهِ
: من مثل الفلك ،
ما يَرْكَبُونَ
: من الإبل ، وهي سفائن البر . وقيل :
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
: سفينة نوح . ومعنى حمل اللّه ذرياتهم فيها : أنه حمل فيها آباؤهم الأقدمون ، وفي أصلابهم هم وذرياتهم . وإنما ذكر ذرياتهم دونهم ، لأنه أبلغ في الامتنان عليهم ، وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح . و
مِنْ مِثْلِهِ
: من مثل ذلك الفلك ،
ما يَرْكَبُونَ
: من السفن . انتهى . وقال أبو عبد اللّه الرازي : إنما خص الذريات بالذكر ، لأن الموجودين كانوا كفارا لا فائدة في وجودهم ، أي لم يكن الحمل حملا لهم ، وإنما كان حملا لما في أصلابهم من المؤمنين . وقال أيضا : الضمير في وآية لهم عائد على العباد في قوله :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
ثم قال بعد
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
،
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ
،
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ
: ذريات العباد ، ولا يلزم أن يكون الضمير في الموضعين لمعنيين ، فهو كقوله :
لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
« 1 » ، إنما يريد : لا يقتل بعضكم بعضا ، فكذلك هذا .
وَآيَةٌ لَهُمْ
: أي آية كل بعض منهم ،
أَنَّا حَمَلْنا
ذرية كل بعض منهم ، أو ذرية بعض منهم . انتهى . والظاهر في قوله :
وَخَلَقْنا
أنه أريد الإنشاء والاختراع ، فالمراد الإبل وما يركب ، وتكون من للبيان ، وإن كان ما يصنعه الإنسان قد ينسب إلى اللّه خلقا ، لكن الأكثر ما ذكرنا . وإذا أريد به السفن ، تكون من للتبعيض ، ولهم الظاهر عوده على ما عاد عليه
وَآيَةٌ لَهُمْ
، لأنه المحدث عنهم ، وجوز أن يعود على الذرية ؛ والظاهر أن الضمير في مثله عائد على
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 29 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 70 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل