تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
وشد الباء المفتوحة . قال الحسن وقتادة وابن زيد : لما قام الرسول للدعوة ، تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه ، فأبى اللّه إلا أن ينصره ويتم نوره . انتهى . وأبعد من قال عبد اللّه هنا نوح عليه السلام ، كاد قومه يقتلونه حتى استنقذه اللّه منهم ، قاله الحسن . وأبعد منه قول من قال إنه عبد اللّه بن سلام . وقرأ الجمهور : قال إنما ادعوا ربي : أي أعبده ، أي قال للمتظاهرين عليه :
إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي
: أي لم آتكم بأمر ينكر ، إنما أعبد ربي وحده ، وليس ذلك مما يوجب إطباقكم على عداوتي . أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين : ليس ما ترون من عبادة اللّه بأمر يتعجب منه ، إنما يتعجب ممن يعبد غيره . أو قال الجن لقومهم : ذلك حكاية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا كله مرتب على الخلاف في عود الضمير في
كادُوا
. وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو بخلاف عنه :
قُلْ
: أي قل يا محمد لهؤلاء المزدحمين عليك ، وهم إما الجن وإما المشركون ، على اختلاف القولين في ضمير
كادُوا
. ثم أمره تعالى أن يقول لهم ما يدل على تبرئه من القدرة على إيصال خير أو شر إليهم ، وجعل الضر مقابلا للرشد تعبيرا به عن الغي ، إذ الغي ثمرته الضرر ، يمكن أن يكون المعنى : ضرا ولا نفعا ولا غيا ولا رشدا ، فحذف من كل ما يدل عليه مقابله . قرأ الأعرج : رشدا بضمتين . ولما تبرأ عليه السلام من قدرته على نفعهم وضرهم ، أمر بأن يخبرهم بأنه مربوب للّه تعالى ، يفعل فيه ربه ما يريد ، وأنه لا يمكن أن يجيره منه أحد ، ولا يجد من دونه ملجأ يركن إليه ، قال قريبا منه قتادة . وقال السدي : حرزا . وقال الكلبي : مدخلا في الأرض ، وقيل : ناصرا ، وقيل : مذهبا ومسلكا ، ومنه قول الشاعر :
يا لهف نفسي ونفسي غير مجدية * عني وما من قضاء اللّه ملتحد
وقيل : في الكلام حذف وهو : قالوا له أترك ما ندعو إليه ونحن نجيرك ، فقيل له : قل لن يجيرني . وقيل : هو جواب لقول وردان سيد الجن ، وقد ازدحموا عليه ، قال وردان : أنا أرحلهم عنك ، فقال : إني لن يجبرني أحد ، ذكره الماوردي .
إِلَّا بَلاغاً
، قال الحسن : هو استثناء منقطع ، أي لن يجيرني أحد ، لكن إن بلغت رحمني بذلك . والإجارة للبلاغ مستعارة ، إذ هو سبب إجارة اللّه تعالى ورحمته . وقيل على هذا المعنى : هو استثناء متصل ، أي لن يجيرني في أحد ، لكن لم أجد شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني اللّه ، فيجوز نصبه على الاستثناء من ملتحدا وعلى البدل وهو الوجه ، لأن ما قبله نفيا ، وعلى البدل خرجه الزجاج . وقال أبو عبد اللّه الرازي : هذا الاستثناء منقطع ، لأنه لم يقل :
البحر المحيط في التفسير — صفحة 302 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل