تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
عَدَداً
. ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده ، كأنه لا يزالون على ما هم عليه
حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ
. قال المشركون : متى يكون هذا الموعد إنكارا له ؟ فقيل : قل إنه كائن لا ريب فيه فلا تنكروه ، فإن اللّه قد وعد ذلك ، وهو لا يخلف الميعاد . وأما وقته فلا أدري متى يكون ، لأن اللّه لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة . انتهى . وقوله : بم تعلق إن ؟ عنى تعلق حرف الجر ، فليس بصحيح لأنها حرف ابتداء ، فما بعدها ليس في موضع جر خلافا للزجاج وابن درستويه ، فإنهما زعما أنها إذا كانت حرف ابتداء ، فالجملة الابتدائية بعدها في موضع جر ؛ وإن عنى بالتعلق اتصال ما بعدها بما قبلها ، وكون ما بعدها غاية لما قبلها ، فهو صحيح . وأما تقديره أنها تتعلق بقوله :
يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
، فهو بعيد جدا لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة . وقال التبريزي : حتى جاز أن تكون غاية لمحذوف ، ولم يبين ما المحذوف . وقيل : المعنى دعهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من الساعة ،
فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً
، أهم أم أهل الكتاب ؟ والذي يظهر لي أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم بكينونة النار لهم ، كأنه قيل : إن العاصي يحكم له بكينونة النار لهم ، والحكم بذلك هو وعيد حتى إذا رأوا ما حكم بكينونته لهم فسيعلمون . فقوله :
فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ
هو وعيد لهم بالنار ، ومن أضعف مبتدأ وخبر في موضع نصب لما قبله ، وهو معلق عنه لأن من استفهام . ويجوز أن تكون من موصولة في موضع نصب بسيعلمون ، وأضعف خبر مبتدأ محذوف . والجملة صلة لمن ، وتقديره : هو أضعف ، وحسن حذفه طول الصلة بالمعمول وهو ناصرا . قال مكحول : لم ينزل هذا إلا في الجن ، أسلم منهم من وفق وكفر من خذل كالإنس ، قال : وبلغ من تابع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليلة الجن سبعين ألفا ، وفزعوا عند انشقاق الفجر . ثم أمره تعالى أن يقول لهم إنه لا يدري وقت طول ما وعدوا به ، أهو قريب أم بعيد ؟ . قال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى قوله :
أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً
، والأمد يكون قريبا وبعيدا ؟ ألا ترى إلى قوله تعالى :
تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
« 1 » ؟ قلت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يستقرب الموعد ، فكأنه قال : « ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل ضربت له غاية » ؟ أي هو عالم الغيب .
فَلا يُظْهِرُ
: فلا يطلع ، و
مِنْ رَسُولٍ
تبيين لمن ارتضى ، يعني أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوّة خاصة ، لا كل مرتضي ، وفي هذا إبطال للكرامات ، لأن الذين تضاف إليهم ، وإن كانوا
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 30 .