تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
شيء ، وإن كان الرزق ليس مصدرا ، بل بمعنى المرزوق ، جاز انتصابه على الحال من ثمرات ، ويحسن ذلك تخصيصا بالإضافة . و
أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
: أي جهلة ، بأن ذلك الرزق هو من عندنا .
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ، وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ ، وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ، أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
. هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام اللّه عليم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش ، فعظموا النعمة ، وقابلوها بالأشر والبطر ، فدمرهم اللّه وخرب ديارهم . و
مَعِيشَتَها
منصوب على التمييز ، على مذهب الكوفيين ؛ أو مشبه بالمفعول ، على مذهب بعضهم ؛ أو مفعول به على تضمين
بَطِرَتْ
معنى فعل متعد ، أي خسرت معيشتها ، على مذهب أكثر البصريين ؛ أو على إسقاط في ، أي في معيشتها ، على مذهب الأخفش ؛ أو على الظرف ، على تقدير أيام معيشتها ، كقولك : جئت خفوق النجم ، على قول الزجاج .
فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ
: أشار إليها ، أي ترونها خرابا ، تمرون عليها كحجر ثمود ، هلكوا وفنوا ، وتقدم ذكر المساكن . و
تُسْكَنْ
، فاحتمل أن يكون الاستثناء في قوله :
إِلَّا قَلِيلًا
من المساكن ، أي إلا قليلا منها سكن ، واحتمل أن يكون من المصدر المفهوم من قوله :
لَمْ تُسْكَنْ
: أي إلّا سكنى قليلا ، أي لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق .
وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
: أي لتلك المساكن وغيرها ، كقوله :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ
« 1 » ، خلت من ساكنيها فخربت .
تتخلف الآثار عن أصحابها * حينا ويدركها الفناء فتتبع
والظاهر أن القرى عامة في القرى التي هلكت ، فالمعنى أنه تعالى لا يهلكها في كل وقت . حتى يبعث في أم تلك القرى ، أي كبيرتها ، التي ترجع تلك القرى إليها ، ومنها يمتارون ، وفيها عظيمهم الحاكم على تلك القرى .
حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا
، لإلزام الحجة وقطع المعذرة . ويحتمل أن يراد بالقرى : القرى التي في عصر الرسول ، فيكون أم
هامش
( 1 ) سورة مريم : 19 / 40 .