تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
إياه المعلل به الاستفزاز ، ثم جاء في القرآن
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ
« 1 » أي أخرجك أهلها . وفي الحديث : « يا ليتني كنت فيها جذعا إذ يخرجك قومك قال : أو مخرجي هم » ؟ الحديث فدل ذلك على أنهم أخرجوه . لكن الإخراج الذي هو علة للاستفزاز لم يقع فلا تعارض بين الآيتين والحديث . وقال أبو عبد اللّه الرازي : ما خرج بسبب إخراجهم وإنما خرج بأمر اللّه فزال التناقض انتهى . و
لا يَلْبَثُونَ
جواب قسم محذوف أي واللّه إن استفزوك فخرجت
لا يَلْبَثُونَ
ولذلك لم تعمل
إِذاً
لأنها توسطت بين قسم مقدر ، والفعل فلا يلبثون ليست منصبة عليه من جهة الإعراب ، ويحتمل أن تكون
لا يَلْبَثُونَ
خبرا لمبتدأ محذوف يدل عليه المعنى تقديره ، وهم
إِذاً لا يَلْبَثُونَ
فوقعت إذا بين المبتدأ وخبره فألغيت . وقرأ أبيّ وإذا لا يلبثوا بحذف النون أعمل إذا فنصب بها على قول الجمهور ، وبأن مضمرة بعدها على قول بعضهم وكذا هي في مصحف عبد اللّه محذوفة النون . قال الزمخشري : فإن قلت : ما وجه القراءتين ؟ قلت : أما الشائعة فقد عطف فيها الفعل على الفعل وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد ، والفعل في خبر كاد واقع موقع الاسم . وأما قراءة أبيّ ففيها الجملة برأسها التي هي وإذا لا يلبثوا عطف على جملة قوله
وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ
انتهى . وقرأ عطاء
لا يَلْبَثُونَ
بضم الياء وفتح اللام والباء مشددة . وقرأ يعقوب كذلك إلّا أنه كسر الباء . وقرأ الإخوان وابن عامر وحفص
خِلافَكَ
وباقي السبعة خلفك والمعنى واحد . قال الشاعر :
عفت الديار خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا
وهذا كقوله
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ
« 2 » خلاف رسول اللّه أي خلف رسول اللّه في أحد التأويلات . وقرأ عطاء بن أبي رباح : بعدك مكان خلفك ، والأحسن أن يجعل تفسيرا لخلفك لا قراءة لأنها لا تخالف سواد المصحف ، فأراد أن يبين أن خلفك هنا ليست ظرف مكان وإنما تجوز فيها فاستعملت ظرف زمان بمعنى بعدك . وهذه الظروف التي هي قبل وبعد ونحوهما اطّرد إضافتها إلى أسماء الأعيان على حذف مضاف يدل عليه ما قبله ، في نحو خلفك أي خلف إخراجك ، وجاء زيد قبل عمرو أي قبل مجيء عمرو ، وضحك بكر بعد خالد أي بعد ضحك خالد . وانتصب
سُنَّةَ
على المصدر المؤكد أي سنّ اللّه سنة ،
هامش
( 1 ) سورة محمد : 47 / 13 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 81 .