تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
ذلك أن يسلك مذهب الكوفيين في أن أفعل التفضيل ينتصب المفعول به ، فالقوانس عندهم منصوب باضرب نصب المفعول به ، وإنما تأويله بضرب القوانس قول البصريين ، ولذلك ذهب بعض النحويين إلى أن قوله
أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ
« 1 » من منصوبة بأعلم نصب المفعول به ، ولو كثر وجود مثل : واضرب منا بالسيوف القوانسا لكنا نقيسه ويكون معناه صحيحا لأن أفعل التفضيل مضمن معنى المصدر فيعمل بذلك التضمين ، ألا ترى أن المعنى يزيد ضربنا بالسيوف القوانسا على ضرب غيرنا ، ولما ذكر قوله ليعلم مشعرا باختلاف في أمرهم عقب بأنه تعالى هو الذي يقص شيئا فشيئا على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم خبرهم
بِالْحَقِّ
أي على وجه الصدق ، وجاء لفظ
نَحْنُ نَقُصُّ
موازيا لقوله لنعلم . ثم قال
آمَنُوا بِرَبِّهِمْ
ففيه إضافة الرب وهو السيد والناظر في مصلحة عبيده ، ولم يأت التركيب
آمَنُوا
بناء للأشعار بتلك الرتبة وهي أنهم مربوبون له مملوكون . ثم قال :
وَزِدْناهُمْ هُدىً
ولم يأت التركيب وزادهم لما في لفظة نا من العظمة والجلال ، وزيادته تعالى لهم
هُدىً
هو تيسيرهم للعمل الصالح والانقطاع إليه ومباعدة الناس والزهد في الدنيا ، وهذه زيادة في الإيمان الذي حصل لهم . وفي التحرير
زِدْناهُمْ
ثمرات
هُدىً
أو يقينا قولان ، وما حصلت به الزيادة امتثال المأمور وترك المنهي ، أو إنطاق الكلب لهم بأنه هو على ما هم عليه من الإيمان ، أو إنزال ملك عليهم بالتبشير والتثبيت وإخبارهم بظهور نبي من العرب يكون الدين به كله للّه فآمنوا به قبل بعثه أقوال ملخصة من التحرير .
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
ثبتناها وقوّيناها على الصبر على هجرة الوطن والنعيم والفرار بالدين إلى غار في مكان قفر لا أنيس به ولا ماء ولا طعام ، ولما كان الفزع وخوف النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن في شدة النفس وقوّة التصميم أن تشبه الربط ، ومنه فلان رابط الجأش إذا كانت نفسه لا تتفرق عند الفزع والحرب . وقال تعالى :
إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها
« 2 » والعامل في
أَنْ رَبَطْنا
أي ربطنا حين
قامُوا
، ويحتمل القيام أن يكون مقامهم بين يديّ الملك الكافر دقيانوس ، فإنه مقام محتاج إلى الربط على القلب حيث صلبوا عليه وخلعوا دينه ورفضوا في ذات اللّه هيبته ، ويحتمل أن
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 117 . ( 2 ) سورة القصص : 28 / 10 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 148 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل