تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
بالحجة والدعوى إذا لم يكن عليها دليل فاسدة وهي ظلم وافتراء على اللّه وكذب بنسبة شركاء اللّه . و
إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
خطاب من بعضهم لبعض والاعتزال يشمل مفارقة أوطان قومهم ومعتقداتهم فهو اعتزال جسماني وقلبي ، وما معطوف على المفعول في
اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
أي واعتزلتم معبودهم و
إِلَّا اللَّهَ
استثناء متصل إن كان قومهم يعبدون اللّه مع آلهتهم لاندراج لفظ الجلالة في قوله
وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
. وذكر أبو نعيم الحافظ عن عطاء الخراساني أنهم كانوا يعبدون اللّه ويعبدون معه آلهة فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم يعتزلوا عبادة اللّه . وقال هذا أيضا الفرّاء ، ومنقطع إن كانوا لا يعرفون اللّه ولا يعبدونه لعدم اندراجه في معبوداتهم . وفي مصحف عبد اللّه
وَما يَعْبُدُونَ
من دوننا انتهى وما في مصحف عبد اللّه فيما ذكر هارون إنما أريد به تفسير المعنى . وإن هؤلاء الفتية اعتزلوا قومهم
وَما يَعْبُدُونَ
من دون اللّه وليس ذلك قرآنا لمخالفتها لسواد المصحف ، ولأن المستفيض عن عبد اللّه بل هو متواتر ما ثبت في السواد وهو
وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
. وقيل :
وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
كلام معترض إخبار من اللّه تعالى عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير اللّه تعالى ، فعلى هذا
ما
فيه و
إِلَّا
استثناء مفرغ له العامل .
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ
أي اجعلوه مأوى لكم تقيمون فيه وتأوون إليه . وقوله
يَنْشُرْ
فيه ما كانوا عليه من التوكل حيث أووا إلى كهف ، ورتبوا على مأواهم إليه نشر رحمة اللّه عليهم وتهيئة رفقه تعالى بهم لأن من أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان لا يضيعه ، والمعنى أنه تعالى سيبسط علينا رحمته ويهيئ لنا ما نرتفق به في أمر عيشنا . قال ابن عباس :
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ
يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ، ويأتيكم باليسر والرفق واللطف . وقال ابن الأنباري : المعنى
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ
بدلا من أمركم الصعب
مِرْفَقاً
. قال الشاعر :
فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان
أي بدلا من ماء زمزم . وقال الزمخشري : إما أن يقولوا ذلك ثقة بفضل اللّه وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم ، وإما أن يخبرهم به نبيّ في عصرهم ، وإما أن يكون بعضهم نبيا . وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة وحميد وابن سعدان ونافع وابن عامر وأبو بكر في رواية