أي بعد
عَدَداً
وبمعنى اسم المفعول كالقبض والنفض ، ووصف به
سِنِينَ
أي
سِنِينَ
معدودة . والظاهر في قوله
عَدَداً
الدلالة على الكثرة لأنه لا يحتاج أن يعد إلّا ما كثر لا ما قل .
وقال الزمخشري : ويحتمل أن يريد القلة لأن الكثير قليل عنده كقوله
لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ
« 1 » انتهى وهذا تحريف في التشبيه لأن لفظ الآية كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلّا ساعة من نهار ، فهذا تشبيه لسرعة انقضاء ما عاشوا في الدنيا إذا رأوا العذاب كما قال الشاعر :
كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسي * ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ
أي أيقظناهم من نومهم ، والبعث التحريك عن سكون إما في الشخص وإما عن الأمر المبعوث فيه ، وإن كان المبعوث فيه متحركا و
لِنَعْلَمَ
أي لنظر لهم ما علمناه من أمرهم ، وتقدم الكلام في نظير هذا في قوله
لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
« 2 » . وفي التحرير وقرأ الجمهور :
لِنَعْلَمَ
بالنون ، وقرأ الزهري بالياء وفي كتاب ابن خالويه ليعلم
أَيُّ الْحِزْبَيْنِ
حكاه الأخفش . وفي الكشاف وقرئ ليعلم وهو معلق عنه لأن ارتفاعه بالابتداء لا بإسناد يعلم إليه ، وفاعل يعلم مضمون الجملة كما أنه مفعول يعلم انتهى . فأما قراءة لنعلم فيظهر أن ذلك التفات خرج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة ، فيكون معناها ومعنى
لِنَعْلَمَ
بالنون سواء ، وأما ليعلم فيظهر أن المفعول الأول محذوف لدلالة المعنى عليه ، والتقدير ليعلم اللّه الناس
أَيُّ الْحِزْبَيْنِ
. والجملة من الابتداء والخبر في موضع مفعولي يعلم الثاني والثالث ، وليعلم معلق . وأما ما في الكشاف فلا يجوز ما ذكر على مذهب البصريين لأن الجملة إذ ذاك تكون في موضع المفعول الذي لا يسمى فاعله وهو قائم مقام الفاعل ، فكما أن تلك الجملة وغيرها من الجمل لا تقوم مقام الفاعل فكذلك لا يقوم مقام ما ناب عنه . وللكوفيين مذهبان :
أحدهما : أنه يجوز الإسناد إلى الجملة اللفظية مطلقا .
والثاني : أنه لا يجوز إلّا إن كان مما يصح تعليقه .
والظاهر أن الحزبين هما منهم لقوله تعالى
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ
« 3 » الآية . وكأن الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم علموا أن لبثهم تطاول ، ويدل على
هامش
( 1 ) سورة الأحقاف : 46 / 35 .
( 2 ) سورة البقرة : 2 / 143 .
( 3 ) سورة الكهف : 18 / 19 .