تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
الرجل بأسا وبأسة انتهى . وكأنه راعي في تعيين المحذوف مقابله وهو
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ
والبأس الشديد عذاب الآخرة ويحتمل أن يندرج فيه ما يلحقهم من عذاب الدنيا . ومعنى من
لَدُنْهُ
صادر من عنده . وقرأ أبو بكر بسكون الدال وإشمامها الضم وكسر النون ، وتقدّم الكلام عليها في أول هود . وقرئ
وَيُبَشِّرَ
بالرفع والجمهور بالنصب عطفا على
لِيُنْذِرَ
والأجر الحسن الجنة ، ولما كنى عن الجنة بقوله
أَجْراً حَسَناً
قال :
ماكِثِينَ فِيهِ
أي مقيمين فيه ، فجعله ظرفا لإقامتهم ، ولما كان المكث لا يقتضي التأبيد قال
أَبَداً
وهو ظرف دال على زمن غير متناه ، وانتصب
ماكِثِينَ
على الحال وذو الحال هو الضمير في
لَهُمْ
والذين نسبوا الولد إلى اللّه تعالى بعض اليهود في عزيز ، وبعض النصارى في المسيح ، وبعض العرب في الملائكة ، والضمير في
بِهِ
الظاهر أنه عائد على الولد الذي ادّعوه . قال المهدوي : فتكون الجملة صفة للولد . قال ابن عطية : وهذا معترض لأنه لا يصفه إلّا القائل وهم ليس قصدهم أن يصفوه ، والصواب عندي أنه نفى مؤتنف أخبر اللّه تعالى به بجهلهم في ذلك ، ولا موضع للجملة من الإعراب ويحتمل أن يعود على اللّه تعالى ، وهذا التأويل أذم لهم وأقضى في الجهل التام عليهم وهو قول الطبري انتهى . قيل : والمعنى
ما لَهُمْ
باللّه
مِنْ عِلْمٍ
فينزهوه عما لا يجوز عليه ، ويحتمل أن يعود على القول المفهوم من
قالُوا
أي
ما لَهُمْ
. بقولهم هذا
مِنْ عِلْمٍ
فالجملة في موضع الحال أي
قالُوا
جاهلين من غير فكر ولا روية ولا نظر في ما يجوز ويمتنع . وقيل : يعود على الاتخاذ المفهوم من اتخذه أي
ما لَهُمْ
بحكمة الاتخاذ من علم إذ لا يتخذه إلّا من هو عاجز مقهور يحتاج إلى معين يشد به عضده . وهذا مستحيل على اللّه . قال الزمخشري : اتخاذ اللّه ولدا في نفسه محال ، فكيف قيل
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ
؟ قلت : معناه ما لهم به من علم لأنه ليس مما يعلم لاستحالته ، وانتفاء العلم بالشيء إما للجهل بالطريق الموصل إليه ، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به انتهى .
وَلا لِآبائِهِمْ
معطوف على
لَهُمْ
وهم من تقدم من أسلافهم الذين ذهبوا إلى هذه المقالة السخيفة ، بل من قال ذلك إنما قاله عن جهل وتقليد . وذكر الآباء لأن تلك المقالة قد أخذوها عنهم وتلقفوها منهم .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 137 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل